صحيفة الاستقلال

تقارير

مع إعلان حكومة جديدة بتونس.. خطة الشاهد لابتلاع مفاصل الدولة

16/02/2020 12:02:00 | تقارير
مع إعلان حكومة جديدة بتونس.. خطة الشاهد لابتلاع مفاصل الدولة
برلمانيون تقدموا بمشروع قانون لمنع التعيينات في مرحلة انتقال السلطة من الحكومة المتخلّية للحكومة المنتخبة
حجم الخط طباعة

في الوقت الذي تنشغل فيه أغلب القوى السياسية في تونس، بلقاءات ومشاورات حول تشكيل الحكومة الجديدة، مرة مع الحبيب الجملي وأخرى مع إلياس الفخفاخ، كان رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي يوسف الشاهد، رئيس حزب تحيا تونس (14 مقعدا في البرلمان) منشعل بأمر آخر وهو توسيع دائرة التعيينات في دوائر الدولة ومؤسساتها المختلفة.

اتهامات متكررة في الفترة الأخيرة طالت الشاهد، مؤكدة إغراقه الإدارة التونسية والمناصب العليا في الدولة بتعيينات من داخل حزبه أو شخصيات مقربة منه، ما أثار حالة من الغضب في الأوساط السياسية والمجتمعية على حد سواء.

البعض طالب بإدانة الشاهد وحكومته، وآخرون طالبوا بالتعجيل في منح الثقة للحكومة الجديدة من أجل إيقاف هذه الممارسات، مؤكدين على ضرورة مراجعة جميع التعيينات، فيما تقدم نواب في البرلمان بمشروع قانون لمنع التعيينات في مرحلة انتقال السلطة من الحكومة المتخلّية للحكومة المنتخبة.

تعيينات بالجملة

قبيل إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، لم يتوقف الشاهد عن التعيينات، وآخرها تعيين مدير جديد لمركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات (إفادة)، وقبل ذلك صدرت تعيينات في مناصب حساسة مثل تعیین مدير عام للأمن الوطني ومدير عام للمصالح المختصة. 

من يراجع الأعداد الأخيرة الصادرة من الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) يجدها تعج بنشر قرارات تعيينات وترقيات جديدة في خطط مديرين عامين ومديرين ورؤساء مصالح على غرار تعيين مديرين عامين المصالح التابعة لرئاسة الحكومة في خطة مدير عام إدارة مركزية بخلية البرمجة، ومتابعة العمل الحكومي، ومدير عام إدارة مركزية بالكتابة العامة للحكومة.

أيضا تعيينات أخرى على رأس المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، وعلى رأس مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة، وجملة أخرى من التعيينات والترقيات في مختلف المصالح والوزارات والمؤسسات العمومية.

وكشف عدد الرائد الرسمي، الصادر بتاريخ 17 يناير/كانون الثاني 2020، لأكثر من 500 تسمية شملت عدة وزارات في خطط "مدير" و"كاهية (نائب) مدير" على وجه الخصوص.

وكشف النائب في البرلمان التونسي عن حركة أمل وعمل ياسين العياري تضمن هذا العدد من الرائد الرسمي على 208 تسمية في وزارة الفلاحة، و124 قرار تعيين في المالية، و114 في وزارة الصحة، و95 في وزارة الشؤون المحلية والبيئة، و50 في وزارة الثقافة، و10 في وزارة التعليم العالي، و4 في وزارة التجهيز، و2 في وزارة النقل. 

مفاصل الدولة

وفي 22  نوفمبر/تشرين الثاني 2019، نشر موقع أفريكان إنتلجنس، تقريرا ذكر أن يوسف الشاهد وضع النائب السابق بالبرلمان ليلى أولاد علي، على رأس مؤسسة الطاقة المتجددة التابعة لشركة الكهرباء.

وأشار الموقع إلى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد يسعى خلال الربع ساعة الأخيرة من عهدته إلى تمرير تعيينات في مفاصل الدولة لمقربين منه.

وأكد أن الشاهد قرر تعيين النائب السابق ليلى أولاد علي، على رأس مؤسسة الطاقة المتجددة التابعة لشركة الكهرباء، حيث أفاد الموقع أن وزير الصناعة سليم الفرياني راسل المدير العام لشركة الكهرباء من أجل تعيين أولاد علي وهو ما أثار حفيظة الشركاء الخواص الذين اعتبروا التعيين سياسيا ويضر بالمؤسسة .

في وقت لاحق، قال الناشط السياسي عماد الدايمي: إن رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد التقى رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب، حيث تم تناقل تصريح للشاهد في أعقاب اللقاء يعلن فيه أنه سيقوم بإصدار الأوامر الترتيبية المتعلقة بالهيئة في أجل أقصاه 15 ديسمبر/ كانون الثاني 2019.

وأضاف الدايمي، في تدوينة على فيسبوك: أن سبب حرص الشاهد والطبيب على ذلك هو الأمر المتعلق بتعيين "جهاز الوقاية والتقصي" والمتكون من رئيس الهيئة وأعضاء لا يقل عددهم عن 10 يعينون بناء على اقتراح من الحكومة.

للجهاز المذكور صلاحيات هامة جدا في إدارة الهيئة، وخاصة في كل مجالات وإجراءات وعمليات التقصي حول الفساد وصولا إلى "القيام بأعمال التفتيش وحجز الوثائق والمنقولات بكل المحلات المهنية والخاصة التي ترى ضرورة تفتيشها وذلك بدون أي إجراء آخر".

وتابع عماد الدايمي: "اليوم يريد الشاهد إرساء هيكل جديد قبيل مغادرته لمهامه بأيام معدودة، العملية واضحة، استباق لأي تغيير على رأس الهيئة ووضع اليد عليها بتركيبة للجهاز تخدم مصالح المنظومة، وتركيبة تحمي مصالح الجهات المتنفذة وتواصل سياسة الحرب الانتقائية ضد الفساد".

منظومة موالية

بعد انعقاد مجلس شورى "النهضة" في 1 ديسمبر/كانون الثاني 2019، دعت الحركة، رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد وكل الوزراء في حكومته إلى وقف التعيينات في الإدارات العمومية ومؤسسات الدولة ومراجعة التعيينات التي سجلت خلال الفترة الماضية.

هذا الموقف أكده رئيس مجلس شورى الحركة في مؤتمر صحفي قال فيه: "حكومة الشاهد هي حكومة تصريف أعمال ولا يحق لها حاليا إجراء أية تعيينات في الإدارة التونسية، لأن هذه التعيينات من شأنها أن تربك عمل الحكومة القادمة ".

من جهته حذر القيادي في حزب "حراك تونس الإرادة"، عماد الدايمي في رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) راشد الغنوشي ما أسماه الصمت على التعيينات المشبوهة التي يقوم بها الشاهد وعدد من وزرائه خلال هذه الفترة.

وأضاف الدايمي: "المنظومة تريد محاصرتهم خلال السنوات القادمة عبر شبكة مسؤولين تابعين لها في أهم المواقع الحيوية في الإدارات والدواوين والمنشآت والمؤسسات العمومية، وتريد أن تفقدكم أي قدرة على القيام بأي إصلاحات جوهرية، وتريد الحفاظ على مصالحها على مدى السنوات القادمة".

واعتبر النائب السابق أن "المنظومة تريدكم واجهة صورية لحكم تديره هي من وراء الستار.. المنافع والمصالح لها والغرم والمسؤولية عليكم".

"عادة قبيحة"

أما النائب عن "ائتلاف الكرامة" عبد اللطيف العلوي فوجه رسالة إلى يوسف الشاهد يدعوه إلى الكف عن التسميات الإدارية في الوقت بدل الضائع.

وقال العلوي في تدوينة على فيسبوك: "إسهال التسميات في الرائد الرسمي يجب أن يتوقف، لأنه لا يليق سياسيا ولا أخلاقيا إغراق الإدارة تعيينات رؤساء المصالح وكواهي المديرين والمديرين، في فترة حكومة تصريف أعمال تعتبر خارج الزمن السياسي".

وأضاف: "يجب الكف عن هذه العادة القبيحة التي ظلت مختلف الحكومات المغادرة منذ الثورة تستبق بها الحكومات اللاحقة، تلغيم وتأزيم وسد لمنافذ التغيير. وفي نفس الوقت يجب على وزراء الحكومة الجديدة، أن يبدؤوا عهدهم بمراجعات معمقة لمختلف التسميات المريبة التي تتم في مثل هذه الفترات الانتقالية".

ومن الأطراف التي تعتبر معنية بتشكيل الحكومة المقبلة دعا حزب "التيار الديمقراطي" إلى مراجعة هذه التعيينات مباشرة بعد تشكيل الحكومة الجديدة ومنحها الثقة.

وقال القيادي بالحزب هشام العجبوني: "أعتقد أنه من أولويات الحكومة المقبلة هو القيام بمراجعة كل التعيينات التي تمت في المدة الأخيرة من أعضاء الحكومة المتخلية، يجب أن نقطع مع عقلية تلغيم الإدارة بالتعيينات التي تتم بالمحاباة والولاءات والمكافآت والمحسوبية من طرف الحكومات المغادرة".

اتحاد الشغل

قد يجد يوسف الشاهد لنفسه مخرجا من هذه الاتهامات، باعتبارها حسب رأيه تأتي في إطار مناكفات سياسية في مرحلة تشكيل حكومة وتجاذب ما بين الأحزاب، وصرح الشاهد في حوار على القناة الوطنية الأولى في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2019، إن "كل التعيينات التي قام بها مؤخرا على رأس المؤسسات العمومية كانت حسب معيار الكفاءة".

وردا على رفض النهضة لتلك التعيينات والدعوة لمراجعتها وإيقافها قال الشاهد: "الدولة لا تعترف باللحظات الأخيرة لحكومة تصريف أعمال، ورئيس الحكومة مطالب بأن يتصرف ويعين بديلا عن الوالي الذي استقال، أو الموظف الذي تقاعد أو في حالة شغور لأي سبب كان".

ولم يكتف الشاهد بإثارة الأحزاب السياسية خلال هذه الفترة، بل دخل في معركة مفتوحة مع الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر نقابات البلاد وأكثرها تمثيلية في أوساط العمال والموظفين.

الشاهد وفي آخر حوار تلفزيوني له في 9 فبراير/ شباط 2020، هاجم الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي، معتبرا أنه "أصبح طرفا وجزءا من الصراع السياسي".

وأضاف الشاهد في حواره مع قناة "حنبعل": أن "الطبوبي عمل على إسقاط حكومته أثناء المشاورات المتعلقة بوثيقة قرطاج2، وذلك بعد أن تحالف مع حافظ قائد السبسي"، وأوضح أيضا أن علاقة الاتحاد بالحكومة "أصبحت غير سليمة ومتعفنة"، مشيرا إلى أنه ليس من دور الاتحاد "إسقاط الحكومات".

الأمين العام المساعد في الاتحاد سامي الطاهري اتهم الشاهد بـ"إغراق الدولة بتعيينات الدقائق الأخيرة في تكريس لسياسة الغنيمة وتعيين المقربين منه"، مؤكدا أن الهيئة الإدارية والمكتب التنفيذي سيجتمعان قريبا لاتخاذ قرار مناسب ضد الشاهد والرد عليه بكشف الملفات التي يملكها الاتحاد للرأي العام في كافة وسائل الإعلام.