صحيفة الاستقلال

ترجمات

معقل متظاهري العراق.. هكذا صمدت الناصرية بوجه هجمات المليشيات

18/02/2020 08:02:00 | ترجمات
معقل متظاهري العراق.. هكذا صمدت الناصرية بوجه هجمات المليشيات
تتميز الناصرية عن غيرها من مدن جنوب العراق بقوة عشائرها ووحدتها
حجم الخط طباعة

في مدن جنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية، تستمر المظاهرات ضد السلطة ببغداد، بينما تضعف في أماكن أخرى، فحركة العصيان المدني التي أغلقت المؤسسات التعليمية والإدارات، لا تزال متواصلة بشكل ملحوظ، خاصة في مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار.

بهذه الكلمات، سلطت صحيفة "لوموند" الفرنسية، الضوء على مدينة الناصرية، وقالت في تقرير لها: "داخل خيمة أقيمت كمكتبة على الطريق المؤدي إلى تمثال للشاعر والأديب محمد سعيد الحبوبي، في وسط الناصرية، يجلس أشخاص في دائرة يستمعون، إلى رجل في الأربعينيات من العمر يستعرض أفكاره".

معقل الاحتجاجات

الصحيفة نقلت عن هذا الرجل، قوله: "الناصرية الآن ملك لكل العراق، يرى الكثيرون أنها معقل الاحتجاج. هذا يشعرنا بالفخر ويلقي على عاتقنا بالمسؤولية. لقد أرهقنا، لكن لا يمكننا إظهار ذلك ويجب علينا التغلب على هذه الأزمة من خلال إعادة الحشود".

وأشارت "لوموند" إلى أنه بعد أربعة أشهر ونصف من بدء المظاهرات المناهضة للسلطة في بغداد وفي الجنوب الشيعي، وبينما تتحد الأحزاب الشيعية الحاكمة لخنق الحركة الاحتجاجية وتشكيل حكومة برئاسة محمد توفيق علاوي، يستمر هذا الاحتجاج في المقاومة.

ويشهد العراق منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حركة احتجاجات مطلبية، تراجعت في الآونة الأخيرة بعدما اغتالت الولايات المتحدة بطائرة مسيّرة مطلع يناير/كانون الثاني قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي أبومهدي المهندس قرب بغداد، ما أثار موجة غضب لدى فئات واسعة من العراقيين.

وأوضحت الصحيفة أنه على الرغم من ذلك لم تفقد الاعتصامات في الناصرية زخمها، إذ لا تزال حركة العصيان المدني، التي أغلقت المؤسسات التعليمية والإدارات، متواصلة، تم إنشاء ملاجئ من الطوب، مزينة بلوحات جدارية ملونة تكريما لـ "شهداء" المدينة البالغ عددهم 170، بدلا من الخيام التي احترقت خلال الهجوم الأخير على الاعتصام في 24 يناير/ كانون ثاني الماضي.

ولفتت "لوموند" إلى أن العمال الشباب العاطلين الذين يقيمون في ساحة (ميدان) الحبوبي يختلطون مع الطلاب، ويوجدون يوميا تقريبا، أما رجال القبائل في الزي التقليدي فيجتمعون مع الموظفين والمسؤولين في المدينة يتناولون معا الشاي.

ونقلت عن الناشط ناصر، (30 عاما) والذي يدعو لإجراء انتخابات مبكرة للتخلص من طبقة سياسية يرى أنها "فاسدة وغير كفوءة"، قوله: "لن يستسلم المتظاهرون بسبب دماء الشهداء والغضب والأخطاء السياسية المتكررة ورفض الطائفية والشعور الوطني القوي. أهالي الناصرية متحدون خلف هذه الأهداف".

وبحسب "لوموند"، فإنه لا يوجد في الناصرية نقص بالخدمات في الأحياء المحرومة لإذكاء الاحتجاج، لكن لديها تقليد يحرص الجميع على الالتزام به.

وأضاف ناصر: "المؤرخ حنا بطاطو - مؤرخ فلسطيني مختص في تاريخ المشرق العربي الحديث- قال عن الناصرية إنها تمتلك روحا جامحة بسبب جغرافيتها وتاريخها الغني وثقافتها وشعورها بالمقاومة والمرونة".

فمدينة المثقفين والأراضي القبلية، كانت في قلب الثورات ضد الاحتلال البريطاني عام 1920، ومسقط رأس الشيوعية والبعثية العراقية، وموطن الانتفاضة الشيعية ضد نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وفقا للصحيفة.

"القبائل القوية"

منذ أكتوبر/ تشرين أول 2019، حملت الناصرية مرة أخرى شعلة التحدي بعد مذبحة أودت بحياة 29 محتجا، وفي 28 نوفمبر/ تشرين ثاني 2019، انتفضت ضد الحاكم العسكري المعيّن حديثا العميد الركن جميل الشمري، وساهمت في سقوط رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

وبينت الصحيفة الفرنسية أنه منذ ذلك الحين، وجه متظاهرو الناصرية العديد من الإنذارات للحكومة، كما أن علاء الركابي، واحد من أشهر أبناء  المدينة، اقترح اسمه لمنصب رئاسة الوزراء.

وفيما تتعرض الاعتصامات في بغداد وغيرها من المدن لهجمات متكررة من أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر منذ نهاية شهر يناير/ كانون ثاني الماضي، لم تستثن الناصرية نسبيا.

ونقلت الصحيفة عن المعمم الشيعي أسعد الناصري، قوله: "لقد حاولوا خنق الحركة، لكن في الناصرية، الناس أقوى من أي مكان آخر وهناك عدد قليل جدا من الصدريين هنا".

فمنذ أن نأى هذا الرجل بنفسه عن مقتدى الصدر، بعد أن تخلى الأخير عن المظاهرات في 24 يناير/ كانون ثاني الماضي، غادر هذا المعمم النجف للاستقرار في خيمة باعتصام الحبوبي، تحت حراسة مشددة من بعض أتباعه، قلقون عليه من التهديدات التي يتلقاها من قادة التيار الصدري.

وقال الشيخ الناصري، وهو من أحد قبائل الناصرية: "لقد جئت لدعم المتظاهرين في الناصرية، الذين يطالبون بالحقوق والوطن الذي سطت عليه الأطراف التابعة لإيران. اسمي ومكانتي كرجل متدين يمنحهما قوة أكبر".

وأكدت "لوموند" أن الهوية القبلية، الملحوظة بقوة في المدينة، تغذي حماسة المتظاهرين، فعلى الرغم من أن القبائل محافظة، وغالبا ما يتم اختيارها من قِبل السلطة الموجودة، إلا أنها تتدخل عندما تتعرض إحدى هذه القبائل للتهديد، وتكون مدججة بالسلاح إذا لزم الأمر.

وبحسب أسعد الناصري، فإن "القبائل هنا قوية ومتحدة، على عكس بغداد. لقد تعبؤوا في عدة مناسبات لصالح المتظاهرين"، فأثناء المذبحة التي ارتكبتها قوات الجنرال الشمري أواخر نوفمبر/ تشرين ثاني، ظهر أفراد القبائل مسلحين في شوارع الناصرية لإنهاء دائرة العنف.

ونقلت الصحيفة عن شيخ عشيرة العبودة، علي حسين خيون، قوله: "'عندما علم جميل الشمري أننا كنا نبحث عنه، هرب إلى بغداد. طلبنا من قائد الشرطة تسليمه إلينا وتقديمه للعدالة"، مؤكدا أنه ذهب "للقاء المحتجين ومنعهم من مهاجمة مركز الشرطة".

فمن مدينة الشطرة، يرأس الشيخ الشاب البالغ من العمر 36 عاما، أكثر من 100 ألف رجل، حيث انضم العديد من أفراد قبيلته إلى الاحتجاج، وأيدوه بنفس القناعة مثلما كانوا يؤيدون المرجعية الدينية الشيعية.

العديد من التهديدات

دعمه للاعتصام والتحذيرات التي يرسلها بانتظام إلى السلطات والسياسيين جعلته يتلقى تهديدات عديدة. ألواح مدرعة مثقوبة بالرصاص موجودة في حديقة منزله، كما تعرضت سيارته لهجوم بمدفع رشاش في ديسمبر/ كانون أول من قبل حراس أحد نواب البرلمان عن مدينة الشطرة عندما جاء لمنع المتظاهرين من حرق منزله، بحسب الصحيفة.

وقال خيون للصحيفة: "لقد تدخلت مؤخرا مع مسؤولي الحزب لمنع وقوع المزيد من الهجمات ضد الاعتصامات في الناصرية والشطرة".

ولفتت "لوموند" إلى أن 16 من زعماء القبائل دعوا المتظاهرين للهدوء في 8 فبراير/ شباط الجاري، وفي دار ضيافة قبيلة ألبو شامة، قال المتحدث باسم هذه المبادرة، الشيخ آدم معن صفاء الغزار، إنه يؤيد الاحتجاج ويفهم غضب المتظاهرين الشباب.

غير أن الزعيم القبلي يطالب بمنح رئيس الوزراء علاوي فرصة ويطالب المتظاهرين بالتوقف عن إغلاق الطرق والمدارس، معربا عن تخوفه من أن "يستغل الغرباء المخاوف الأمنية لمهاجمة سجن المقاطعة، حيث يتم احتجاز العديد من الإرهابيين"، وفقا للصحيفة.

كل هذا مجرد "مشهد" من وجهة نظر الشيخ خيون الذي أكد قليلون صادقون عندما يقولون إنهم يدعمون التحدي، وقد دعم معظمهم جميع الحكومات منذ عام 2003 ضد الكتابة على الجدران، ويتلقون أموالا لقمع الاحتجاج".

هذا الشيخ الشاب يحذر من خطر الحرب الأهلية، ويقول للصحيفة الفرنسية: "يمكن أن ينتهي الأمر بحمل المتظاهرين السلاح للدفاع عن أنفسهم ضد أي هجمات جديدة إذا لم يفعل الشيوخ شيئا"، قبل أن يحذر مجددا من أن هذا البلد "ليس له مستقبل".