صحيفة الاستقلال

تقارير

أزمة المصارف.. هكذا تأثرت بنوك اليمن بالوضع السياسي في لبنان

22/02/2020 16:02:00 | تقارير
أزمة المصارف.. هكذا تأثرت بنوك اليمن بالوضع السياسي في لبنان
لا توجد إحصاءات وأرقام دقيقة عن الاعتمادات المحتجزة في لبنان لكنها ظهرت في ضعف قدرة التجار اليمنيين على الاستيراد
حجم الخط طباعة

تزايدت الضغوط المالية على البنوك والشركات التجارية اليمنية، جراء استمرار احتجاز أموالها في المصارف اللبنانية، إثر اندلاع الاحتجاجات في لبنان أكتوبر/تشرين الأول 2019.

بيروت اتخذت إجراءات بتقييد الأموال والودائع المحلية والأجنبية، وتخفيض الحد الأعلى للسحب إلى 1000 دولار كحد أقصى أسبوعيا، وفرض حظر على التحويلات الخارجية، للحد من خروج العملة الأجنبية، ما تسبب في عدم قدرة البنوك والشركات اليمنية إلى الوصول لأموالها المودعة في بنوك لبنان.

حسب تقرير لمركز صنعاء للدراسات، فإن البنوك اليمنية والشركات التجارية كانت قد وجدت في البنوك اللبنانية ملاذا آمنا، عقب اندلاع الحرب في اليمن 2014، وبعد أن رفعت مجموعة العمل المالي تصنيف المخاطر في اليمن إلى مستوى مرتفع.

كانت لبنان خيارا مناسبا للبنوك اليمنية، من بين عدة بدائل مطروحة، إذ أن البنوك اللبنانية سهلت إمكانية فتح حسابات بنكية لتمويل التجارة، بالإضافة إلى منحها فوائد مرتفعة نسبيا على الودائع، مقارنة ببنوك في دول أخرى، كما تميزت بنوك لبنان بقوانين حفظ الخصوصية والسرية، وهي تلك القوانين التي تشبه القوانين المطبقة في سويسرا.

قوبلت تلك الإجراءات بغضب شديد من قبل البنوك والشركات التجارية، ووصفت بالإجراءات غير القانونية، والتي تصب في خدمة رجل السياسة، ولا تلفت للأضرار الهائلة التي يمكن أن تتسبب بها، والتي تصل لحد إفلاس عدد كبير من الشركات، والدخول في مشاكل مالية كبيرة مع المصانع وأرباب الأعمال التجارية.

لماذا لبنان؟

يقول الباحث اليمني المتخصص في الشؤون الاقتصادية عبدالواحد العوبلي: "الأزمة في لبنان أثرت بشكل كبير على التجار ورجال الأعمال اليمنيين، خصوصا الذين كانوا يعتمدون على البنوك اللبنانية لفتح اعتمادات الاستيراد الخاصة بهم وتنفيذ التحويلات المالية مع الموردين والعملاء وبقية العمليات التي كانت تتم عبر تلك البنوك".

يضيف الباحث لـ"الاستقلال": "لجأ التجار ورجال الأعمال اليمنيين إلى إيداع أموالهم في البنوك اللبنانية، بحكم انخفاض المستوى الائتماني للبنوك اليمنية لدى أغلب المؤسسات المالية العالمية، ولم يعد هناك من يقدم اعتمادات مستندية نيابة عن بنوك اليمن إلا البنوك في لبنان".

وتابع: "بالإضافة أصلا للعلاقة القديمة بين البنوك في اليمن ولبنان، والتسهيلات التي تقدمها البنوك اللبنانية للبنوك اليمنية، وارتفاع مستوى التكتم وعدم الإفصاح على العمليات في البنوك اللبنانية، كل تلك الأسباب وفرت جوا مريحا للتعامل مع النظام المصرفي اليمني".

العوبلي قال: "يعد بنك بيروت من أكبر البنوك التي لديها تعاملات واعتمادات مع بنوك يمنية، بحكم أنه معتمد من قبل التحالف العربي في اليمن (تقوده السعودية)، ويقبل أموالا من بنوك يمنية أهمها البنك الأهلي اليمني".

وعن الأموال المحتجزة في البنوك اللبنانية، يرى العوبلي أنه لا توجد إحصاءات وأرقام دقيقة عن الاعتمادات المحتجزة في لبنان من بداية الأزمة اللبنانية، لكنها تقدر بأكثر من 100 مليون دولار، وهذا، بطبيعة الحال، أثر بالضرورة على قدرة التجار اليمنيين على الاستيراد".

يضيف الباحث الاقتصادي: "بعد خروج البنوك اللبنانية من البدائل المتاحة أمام اليمنيين لتنفيذ العمليات المصرفية والقيام بالتحويلات للوفاء بالتزاماتهم أمام الموردين، لم يعد هناك من بديل إلا بعض البنوك في الأردن أو الإمارات، ولكن طبعا بشروط أكثر تعقيدا، ما يعني استنفاد المزيد من الوقت والجهد لعودة الأعمال كما كانت عليه".

أزمة البنوك

الحديث عن أزمة البنوك في اليمن يجرنا للحديث عن أزمة المصارف في لبنان، وهي الأزمة التي نشأت إثر الاحتجاجات التي اندلعت في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بسبب زيادة الضرائب على عدة منتجات من بينها البنزين، وعلى تطبيقات المكالمات الهاتفية كالواتس آب.  

الأزمة المالية في لبنان نشأت قبل اندلاع الاحتجاجات بنحو 5 أشهر أي في مايو/آيار 2019، حيث كان الاقتصاد اللبناني يمر بأزمة خانقة لعدة أسباب، أهمها التباطؤ في تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، ما أدى إلى نقص شديد في النقد الأجنبي بالسوق، الأمر الذي جعل الحكومة ترى في تحميل المواطنين مزيدا من الأعباء المالية حلا لتلك الأزمة، فقررت زيادة الضرائب على بعض المحروقات، وفرض ضرائب جديدة على بعض تطبيقات الإنترنت.

إثر تلك الزيادات الضريبية، اندلعت الاحتجاجات الشعبية في المدن اللبنانية، متهمة الحكومة بالفساد المالي، فوّلدت حالة من الهلع لدى رؤوس الأموال الوطنية، وولدت أيضا أزمة ثقة بالبنوك اللبنانية من قبل الشركات المحلية والخارجية، التي هرعت لسحب أموالها وودائعها في آن واحد، حيث سحبت خلال 6 أشهر، نحو 3 مليارات دولار، ووضعها في المنازل، حسب رئيس جمعية مصارف لبنان، سليم صفير.

ذلك السحب الجماعي للودائع والأموال الأجنبية، جعل المصارف تتباطأ في التعاطي مع طلبات العملاء بسحب ودائعهم فنشأت أزمة المصارف.

بدت البنوك اللبنانية البالغ عددها 42 بنكا، كما لو كانت لا تمتلك أموالا، رغم امتلاك مصرف لبنان المركزي نحو 38 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، وامتلاك البنوك اللبنانية الأخرى أكثر من 170 مليار دولار كودائع مالية، إلا أنها لم تتمكن من التعاطي مع طلبات العملاء المتزايدة بسحب الودائع المالية، إذ أن معظم تلك الودائع لم تكن سائلة. 

ذعر مصرفي

مع تفاقم أزمة المصارف، قيدت الحكومة اللبنانية الأموال المودعة وتخفيض الحد الأعلى للسحب، على المواطنين اللبنانيين والشركات المحلية، ثم على الإيداعات الخارجية، ومن بينها البنوك اليمنية، معللة ذلك بحماية الاقتصاد والنظام المصرفي من الانهيار الكلي.

 ويعد القطاع المصرفي للبنان عمود الاقتصاد الوطني، كما يعد أحد أكبر القطاعات المصرفية العربية والدولية مقارنة بحجم الاقتصاد الوطني، إذ تبلغ الأصول المجمعة للقطاع 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الإسمي للبنان، وفق تقديرات صادرة عن اتحاد المصارف العربية في أكتوبر/تشرين الأول 2018، ما يعني أن أي خلل يصيب هذا القطاع  المصرفي سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر.

تلك المخاوف دفعت لاستذكار واسترجاع أزمة البنوك الأشهر في العالم، أو ما سمي حينها بـ "أزمة الذعر المصرفي" في أمريكا عام 1907 وتسببت بانهيار سوق البورصة وفقدان أكثر من 50% من الحد الأقصى للقيمة المالية، وإفلاس عدد كبير من البنوك والشركات.

جينها تولدت أزمة ثقة كبيرة لدى العملاء والمودعين، وشهدت السيولة سحبا جماعيا من البنوك الأمريكية البالغة حينها 22 ألف بنك، واستمرت تلك الأزمة 6 سنوات حتى تم إنشاء نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

بدائل آمنة

تلك القيود القاسية التي فرضتها الحكومة اللبنانية على الأموال اليمنية، جعلت يمنيين يبحثون عن بدائل أخرى لإيداع أموالهم وتحريك تجارتهم، فتوجهت رؤوس الأموال إلى الإمارات والأردن، وعدد قليل منها إلى تركيا، ومع أن تلك البنوك لا تمنح فوائد كبيرة على الودائع المالية، ولا تمنح خصوصية عالية تجاه تلك الحسابات البنكية، إلا أنها كانت بالنسبة لهم أنسب، وأكثر أمنا، بعد الأزمة التي تسببت بها البنوك اللبنانية لهم.

ورغم أن تلك الشركات شرعت في البحث عن بدائل، إلا أن الأموال المحتجزة في لبنان مازالت تشكل لها ضغطا هائلا في نشاطها التجاري، وتحول دون الوفاء بالتزاماتها المالية، خصوصا مع عدم توقع حدوث انفراجة قريبة في هذه الأزمة، وارتباط الأزمة المالية بالوضع السياسي في لبنان، الذي يسعى لطمأنة المودعين وتخفيض مستوى القلق لدى العملاء المحليين والخارجيين.