صحيفة الاستقلال

تقارير

دستور جديد.. لماذا يصعب على معارضي بوتين إزاحته عن السلطة؟

21/02/2020 08:02:00 | تقارير
دستور جديد.. لماذا يصعب على معارضي بوتين إزاحته عن السلطة؟
فشل احتجاجات 2011 ضد عودة بوتين للحكم سحقت الآمال الروسية في التغيير
حجم الخط طباعة

على خلاف الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها الشوارع الروسية عام 2011، اعتراضا على عودة الرئيس فلاديمير بوتين للسلطة، نظمت المعارضة الروسية احتجاجات رمزية يومي السبت 8 و15 فبراير/ شباط الجاري، اعتراضا على إجراءات بوتين لتغيير الدستور بما يسمح له للبقاء في الحكم لما بعد 2024.

المظاهرات التي شارك فيها المئات من القوميين والانفصاليين السابقين في دونباس، وعدد من الشيوعيين والناشطين اليساريين، رغم أنها كشفت واقعا جديدا تعيشه روسيا في عهد بوتين الذي أحكم سطوته على مقاليد السلطة، فإنها كشفت أيضا عن صوت مخالف ما زال موجودا في الشوراع الروسية رغم القبضة الأمنية التي يتعامل بها بوتين مع معارضيه من مختلف الأطياف السياسية والفكرية، منذ احتجاجات 2011.

وخرج الآلاف من المحتجين في مظاهرات غير مسبوقة نظمتها المعارضة في موسكو وعدد من المدن الروسية، احتجاجا على نتائج الانتخابات التشريعية التي أجريت في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2011، وطالب المحتجون وقتها بإنهاء حكم رئيس الوزراء أنذاك فلاديمير بوتين والرئيس ديمتري ميدفيديف.

وأثارت هذه الانتخابات وما تلاها من قمع للتظاهرات انتقادات دولية حادة خصوصا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا. وكان بوتين حذر وقتها من أي تجاوزات، لأنه سيتم قمعها "بكل الوسائل المشروعة"، على حد قوله. واتهم بوتين الولايات المتحدة بالتحريض على الحركة الاحتجاجية في ما اعتبره سيناريو "فوضى".

لنا صوت

المئات الذين اجتمعوا يوم السبت 15 فبراير/ شباط الماضي، في العاصمة موسكو، اعتبروا أن التعديلات التي اقترحها بوتين قبل أسابيع، ووافق عليها أعضاء الدوما بشكل مبدئي، بمثابة خدعة يتعرض لها الشعب الروسي تحت شعارات زائفة عن الديمقراطية.

ووفقا لوصف "إيغور ستريلكوف" القائد الانفصالي السابق في حرب دونباس، فإن "ما تعرضه حكومتنا الآن هو خدعة من الفنانين المحتالين الذين يستمرون في خداع الشعب الروسي، وهم يخططون للقيام بذلك إلى الأبد".

وأشار في تصريحات نقلتها وكالة "أسوشيتد برس"، إلى أن "الدستور الروسي أصبح مهددا، ولذلك فإن النظام نفسه يحتاج إلى التغيير، وليس الرئيس فقط"، مضيفا: "أعتقد أن بوتين يحتاج إلى الذهاب".

بينما أكد المعارض الروسي "مسكوفيت كيريل بورين"، أن الدستور ليس أمرا شخصيا للرئيس، ولكنه شيء يخص الشعب الروسي"، مضيفا: "إنه ليس من أغراضه الشخصية. إنه ليس قميصه ولا يحق له إجراء تعديلات عليه".

وحسب "رويترز": "رغم رمزية المظاهرات، فإنها أوجدت صوتا مغايرا داخل الشارع الروسي، الذي يسير في اتجاه واحد فقط وهو دعم تعديلات بوتين التي تمكنه من الحكم للأبد".

وقالت الوكالة: إن معارضين آخرين ينسقون لمسيرة حاشدة في موسكو يوم 29 فبراير/ شباط الجاري، للتعبير عن رفضهم، للتعديلات المقترحة على الدستور وفقا لما كشفه المعارض السياسي "إيليا ياشين" عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأكد ياشين أن "تغييرات بوتين تهدف إلى الحكم للأبد، ولذلك فإن المجتمع يحتاج إلى احتجاج كبير وجماهيري حقيقي. ووفقا لخطة "ياشين"، فإن مسيرة 29 فبراير/ شباط الجاري، ستكون سياسية، الهدف الرئيسي منها هو الدعوة إلى تناوب السلطة، والاحتجاج على اغتصابها.

انقسام المعارضة

تحليلات عديدة كشفت أن ضعف المشاركة في المظاهرات التي دعت لها بعض قوى المعارضة الروسية، يرجع في الأساس لوجود انقسام بين صفوفها حول آلية التعاطي مع الدستور الحالي، الذي يعتبره البعض "شر كامل"، وأن ما يقوم به بوتين محاولة لإدخال المعارضة الرافضة له، داخل دائرته السياسية من خلال اعترافهم بالدستور، حتى لو كانوا يرفضون تعديلاته.

وحسب تحليل موسع للكاتب الصحفي "ماثيو لوكسموور"، نشره بشبكة الإعلام الحر الروسية، بعد فشل المظاهرة الأولى التي تم توجيه الدعوة لها بعد إعلان بوتين عن تعديلاته، والتي وافقت السلطات عليها يوم الأول من فبراير/ شباط الجاري، على أن يشارك فيها 10 آلاف مواطن، فإن عدم اتفاق المعارضة الروسية كان واضحا بأن الاستجابة لمثل هذه الدعوات سوف تخضع لكثير من الحسابات، وهو ما كان سببا في النهاية لإفشالها.

ونقل "لوكسموور"، مقتطفات مما كتبه "أليكسي نافالني" أحد أبرز زعماء المعارضة في روسيا ومنظم الاحتجاجات العديدة على مستوى البلاد خلال الفترة من 2000 وحتى 2011، بأنه ضد حركة الشارع التي تعارض التغييرات الدستورية.

ويعتبر "نافالني" أنه "فيما يتعلق بمختلف التجمعات المقترحة دفاعا عن الدستور، فإن الدستور الروسي بغيض، ولا ينبغي الدفاع عنه"، متهما السلطات الروسية باستخدام الدستور "لنقل كل شيء من المواطنين والمعارضة، من الانتخابات إلى المعاشات التقاعدية".

وعاد "نافالني" في جزء آخر من مقال كتبه على تويتر، ليؤكد أنه كان من الضروري "الكفاح والاحتجاج ونشر المعلومات" ضد بوتين ورفاقه، لكن فكرة الحماية، والدفاع عن الدستور الجيد من السيء فإن بوتين كان مضللا.

ووفقا لـ "لوكسموور"، فإن عدم وجود حملة عامة منسقة ضد التغييرات الدستورية قد يلقي الضوء على الانقسامات الطويلة الأمد في صفوف المعارضة الروسية، لكنه يشير أيضا إلى أن الكثيرين يرفضون تشجيع الاحتجاجات الخطيرة في الشوارع خوفا من العنف المتوقع من الشرطة، ما يعني هزيمتهم بشكل علني في ظل توقع نسب المشاركة المنخفضة.

خطوة خطوة

باحثون روس، اعتبروا عدم تعاطي الجماهير مع المظاهرات التي دعت لها المعارضة، ليس لرفضهم لها، وترحيبهم باستمرار بوتين، وإنما لرغبتهم في حدوث تغييرات سياسية أيا كان شكلها لتحريك المياه الراكدة في الشارع الروسي.

وهو ما كشفه استطلاع رأي أعدته مؤسسة ""VTsIOM التي تمولها بأن 45٪ من عينة الاستطلاع اعتبروا التعديل يمثل رغبة حقيقية لبوتين في تغيير هيكل السلطة الحالي، خاصة وأن التعديلات المقترحة تشمل زيادة الإنفاق الاجتماعي وتعديل سنوي للمعاشات التقاعدية.

هذا الرأي دعمته أستاذ العلوم السياسية "إيكاترينا شولمان" وقالت في تصريحات صحفية: "من الناحية السياسية، فإنه من غير المجدي في الوقت الحالي الاحتجاج على التغيير، خاصة وأن الأفراد يؤيدون التغيير أكثر فأكثر، ويمكن للمرء أن ينظر إلى هذه المبادرة على أنها وسيلة لإعطاء الناس مظهرها على الأقل".

وحسب الكاتبة الروسية "داريا ليتفينوفا" في تحليل بثته وكالة "أسوشيتد برس"، فإن بوتين لم يترك الكثير من الخيارات أمام المعارضة، وأنه لعب موضوع احتفاظه بالسلطة بشكل مختلف هذه المرة.

فبدلا من الإعلان عن هذه الخطوة كأمر واقع، قال إنه يجب على الشعب التصويت، ثم أجرى تعديلا سريعا وغير متوقع للقيادة الروسية، ووضع مسؤولا رفيع المستوى بدون أهداف سياسية مسؤولا عن الحكومة.

وتري "ليتفينوفا"، أن فشل احتجاجات 2011/2012، ضد عودة بوتين للحكم، سحقت الآمال الروسية في التغيير، وهو ما تعامل معها بوتين بذكاء عندما قدم خطته لتعديل الدستور كوسيلة لتحسين الديمقراطية، بالإضافة إلى أن الجماهير تطالب بإنهاء الفساد، وتحسين الظروف المعيشية. وإصلاح نظام الرعاية الصحية والتقاعد، وكلها أمور وضعها بوتين ضمن التعديلات، ولذلك فإن الجماهير لن تذهب إلى أي مكان، خوفا من عدم تحقيقها.

وتشير الكاتبة الروسية لأمر آخر مارسته السلطات، لضمان عدم مشاركة الجماهير في أي احتجاجات جماهيرية، يتمثل بتنفيذ حملات الضغط على الناشطين والسياسيين، ومحاصرتهم بغرامات عالية وإرهاقهم بالاعتقالات والمحاكمات، ما جعل بعضهم مديونا للحكومة بغرامات تصل لأكثر من 400 ألف دولار.

وتوقعت الكاتبة أن يستمر الضغط السياسي على المعارضين والناشطين السياسيين حتى يجري تمرير التعديلات الدستورية.

خطة بديلة

الكاتب الروسي، "فلاديمير كارا مورزا"، قدم خطة بديلة للمعارضة لمواجهة التعديلات الدستورية، نشرها في مقال بصحيفة "واشنطن بوست"، تتمثل في الدعوة للمشاركة في عملية الاستفتاء التي يمكن أن تشهدها روسيا خلال شهر أبريل/نيسان المقبل، والتصويت بـ "لا"، ضد التعديلات التي يطالب بها بوتين.

واعتمد "مورزا"، في اقتراحه على العريضة التي اقترحتها بعض القوى، ووقع عليها 40 ألف شخص، من بينهم قادة بارزون من المعارضة المؤيدة للديمقراطية ومجموعات المجتمع المدني، لتحويل الاستفتاء إلى تصويت بحجب الثقة عن النظام، ووفقا للبيان فإنه يجب على الروس الذهاب إلى صناديق الاقتراع في أبريل ورفض "الانقلاب الدستوري".

ويرى الكاتب الروسي أن مظاهرات المعارضة الفعلية انتهت بتصويت البرلمان المبدئي على تعديلات الدستور التي اقترحها بوتين منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، بأغلبية ساحقة، وإن جاز التعبير بدون صوت معارض واحد، ما أعاد للأذهان تجربة دستور جوزيف ستالين في ديسمبر 1936 أو ليونيد بريجينيف في أكتوبر 1977.

ورغم حالة الضعف التي ظهرت عليها المعارضة الروسية في تعاطيها مع التعديلات الدستورية التي يريد بوتين تمريرها للاستمرار في السلطة، إلا أن مشرعين مقربين منه بمجلس الدوما، لم يكتفوا بهذا القدر، وقدموا خططا يتم مناقشتها ضمن لجان تلقي الاقتراحات حول التعديلات المقترحة، لفرض المزيد من السيطرة والهيمنة لبوتين، وهو ما كان واضحا من خلال اقتراحين ظهرا على سطح الأحداث خلال الأيام الماضية.

الاقتراح الأول تمثل في التعديلات التي قدمها عدد من نواب الدوما، بمنح حصانة كاملة للرؤساء السابقين بعد خروجهم من السلطة.

وقال البرلماني "بافيل كراشينيكوف" أحد أعضاء المجموعة البرلمانية المقربة من بوتين، والتي تقدمت بالاقتراح في تصريحات لوكالة رويترز: إنهم اقترحوا ضمن الإصلاحات التي اقترحها بوتين، بأن يتمتع الرؤساء السابقون بحصانة من المقاضاة الجنائية، كما طرحت المجموعة مقترحات أخرى بتغيير الوصف الوظيفي لبوتين، إلى الحاكم الأعلى من رئيس الدولة.

أما الخطوة الثانية فتمثلت باقتراح لمجموعة برلمانية أخرى لإجراء انتخابات مبكرة للدوما، بدلا من الانتخابات الطبيعية المقررة في سبتمبر/أيلول 2021.

وحسب الكاتب الروسي "بن نوبل" المتخصص في الشؤون التشريعية والسياسة الاستبدادية الروسية، في مقال نشره بموقع "موسكو تايمز"، فإن لجان الانتخابات الإقليمية في سيبيريا تلقت إخطارا من اللجنة الانتخابية المركزية على المستوى الفيدرالي للتحضير لانتخابات مجلس الدوما المحتملة في ديسمبر/ كانون الأول 2020.