صحيفة الاستقلال

ترجمات

ثروات الغاز المشتركة.. هل تدفع لتعاون دولي أم تفاقم التوترات؟

21/02/2020 10:02:00 | ترجمات
ثروات الغاز المشتركة.. هل تدفع لتعاون دولي أم تفاقم التوترات؟
يشترك في هذه السواحل كل من إسرائيل ولبنان وتركيا وقبرص واليونان ومصر وحتى روسيا
حجم الخط طباعة

خلقت حقول الغاز والنفط المكتشفة في شرقي البحر المتوسط منحى جديدا للصراع بين الدول الموجودة على أحوازه والتي تعيش أساسا توترات سياسية كبرى منذ سنوات، الأمر الذي من شأنه أن ينذر باتخاذ النزاعات أبعادا أشد خطورة وحساسية في المستقبل القريب.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة لاكروا الفرنسية تقريرا في 18 فبراير/ شباط 2020، تحت عنوان "وعود الغاز في شرق البحر المتوسط.. توترات جديدة"، قالت فيه: إن نوايا التنقيب عن الغاز التي أعلن عنها مؤخرا بعد اكتشاف رواسب ضخمة أجّجت نيران الأزمة الإقليمية المحتدمة في السواحل المتوسطية الشرقية.

ويشترك في هذه السواحل كل من إسرائيل ولبنان وتركيا وقبرص واليونان ومصر وحتى روسيا. وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن شرق البحر المتوسط ​​قد يصبح قوة غاز جديدة كبرى بعد الاكتشافات الحديثة لرواسب طاقية كبيرة.

نرويج في المتوسط

حسب الإحصائيات التي نقلتها لاكروا عن الاقتصادي في المعهد الفرنسي للنفط والطاقات المتجددة أرميل ليكربنتير، فإن احتياطيات حوض شرق المتوسط تقدر بحوالي 3 تريليونات متر مكعب من الغاز "أي ما يعادل الرواسب التي حققت ثروة النرويج لعدة عقود".

وتساءل التقرير حول كيفية تمكن منطقة تخضع فيها حدودها البرية إلى عديد المشاكل أن تحسم إشكالية حدودها البحرية؟، مشيرا إلى أن المسألة هنا تستوجب تحديد الهياكل الجيولوجية التي يصل ارتفاعها إلى 2000 متر تحت سطح البحر. 

ونقلت الصحيفة عن الباحث المشارك في مشروع الطاقة بجامعة هارفارد، تيري بروس قوله: "استغرقت روسيا والنرويج أكثر من 20 عاما للتوصل إلى اتفاق بشأن تقاسم الموارد في بحر بارنتس".

واستدركت الصحيفة الفرنسية أن المفارقة تكمن في كون الجميع في شرق المتوسط مضغوطين ومستعجلين مما يصعّب التوصل إلى حل، متوقعة أن يتعقد الوضع أكثر من ذلك. وأشار التقرير إلى أن التحديات كبيرة، في كل بلد من البلدان المعنية.

مشكلة الحدود

وأشارت إلى أن حقل غاز "ظهر" يقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) في مصر، ولكن على بعد أميال قليلة من ساحل قبرص. ويقع حقل غاز "أفروديت" في الأراضي القبرصية، ولكنه يمتد قليلا إلى "المياه الإسرائيلية".

وتابع التقرير: "لبنان يطالب بحقوق حقل غاز ليفياثان التي تعد إسرائيل المشغل الوحيد لها اليوم"، مشيرا إلى أن البلدين لا يزالان رسميا في حالة حرب وتستمران في الخلاف على طريق حدودهما البحرية، ولا سيما على مثلث يبلغ طوله 850 كم2، أي ما من شأنه ملء قاع البحر بالميثان.

ولفتت الصحيفة إلى أنه "في عام 2018، منح لبنان تراخيص استكشاف لعدة شركات بما في ذلك شركة توتال، في حين تطالب إسرائيل بجزء صغير من المناطق المعنية".

الوضع في قبرص معقد بنفس القدر، وفق لاكروا، حيث تقلصت الجزيرة إلى النصف منذ "غزو تركيا" للجزء الشمالي عام 1974. وتعارض أنقرة استكشاف الحقول البحرية من قبل جمهورية قبرص التي تعتبر عضوا في الاتحاد الأوروبي.

وأشارت لاكروا إلى أن قوارب الحفر التركية المحمية بواسطة طائرات بدون طيار، اخترقت الفضاء القبرصي مرارا وتكرارا، مما دفع بروكسل إلى فرض عقوبات على تركيا، وفق نص التقرير.

الطاقة في "إسرائيل"

نقلت الصحيفة عن الرئيس التنفيذي لشركة ديليك -إحدى الشركات التي تستغل حقل غاز ليفياثان-، يوسي أبو، تصريح قال فيه: إن "إسرائيل" لأول مرة في تاريخها تمثل قوة طاقية قادرة على تلبية احتياجاتها وعلى تصدير الغاز الطبيعي إلى جيرانها من أجل تعزيز موقعها الإقليمي"، وفق تعبيره.

وأدلى أبو بهذا التصريح في يناير/كانون الثاني الماضي خلال إطلاق المرحلة الأولى من العمل على هذه الوديعة البالغة 580 مليار متر مكعب، وتقع على بعد 130 كم قبالة حيفا.

وقالت حكومة "تل أبيب": إن "كل أسرة إسرائيلية ستستفيد من ذلك"، وقد وعدت بانخفاض فواتير الكهرباء، مبينة أنه "يجب أن يكون التوازن البيئي إيجابيا. وبحلول نهاية العقد، سيتم استبدال الفحم المستورد والديزل بالغاز لإنتاج الكهرباء، مما يقلل بدرجة كبيرة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في البلاد".

وفق لاكروا، "ستبيع إسرائيل الغاز لمصر بحوالي 15 مليار دولار (13.8 مليار يورو) على مدى عشر سنوات". وحسب وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتز، يعد هذا "أهم تعاون اقتصادي" منذ توقيع اتفاقية السلام منذ واحد وأربعين عاما.

وقال شتاينيتز: إنه "سيتم نقل الغاز من ليفياثان عبر خط أنابيب تحت سطح البحر من مدينة عسقلان إلى العريش في مصر، متجاوزا قطاع غزة. وبالمثل، يمكن للأردن شراء الغاز من إسرائيل".

المركز المصري

وأضاف التحقيق: "بالنسبة لمصر التي تتمتع بخبرة طويلة في إنتاج الهيدروكربونات، فإن رواسب حقل غاز الظهر هي الأكبر في تاريخ البحر المتوسط، حيث تبلغ احتياطياتها 850 مليار متر مكعب"، مؤكدا أن ذلك مثّل "مفاجأة مالية حقيقية".

ووفقا لخبراء من البنك الدولي، فإن هذا من شأنه أن يساهم إلى حد كبير في إحياء الاقتصاد الذي يتجاوز معدل نموه الآن 5٪. وبدأت أول عملية حفر في حقل الظهر في عام 2015، وتم دخول حيز التنفيذ في نهاية عام 2017، وهي فترة قصيرة بشكل استثنائي، وفق الصحيفة الفرنسية.

وقال بنيامين أوجي، الباحث في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في دراسة له نشرت في سبتمبر/أيلول 2018: إن حقل الظهر هو نموذج للحكم والتنفيذ، ذاكرا استثمارات كل من شركة إيني الإيطالية (مشغل الحقل)، وشركة بريتش بيتروليم البريطانية، وروسنافت الروسية، و الدعم المالي من قطر وأبوظبي.

ويأمل المصريون أيضا في جعل بلادهم "محورا للغاز". في الواقع، هم الوحيدون في المنطقة الذين لديهم محطتان للتصدير، Damiette وIdku، حيث يتم تسييل الغاز ثم شحنه بالقوارب إلى الموانيء الأوروبية أو الأسواق الأخرى. هذا هو المكان الذي يمكن أن يأتي منه الغاز المستخرج من حقل أفروديت، والذي يتم إرساله بواسطة أنبوب من قبرص، وفق الصحيفة.

وتتوقع الصحيفة أن يمر الإنتاج الإسرائيلي الذي يجري بيعه في الخارج عبر مصر، ما لم تقرر الدولة العبرية بناء منشأة للتسييل بمليارات اليورو، لكن ربحيتها بعيدة عن أن تكون مضمونة وكذلك أمنها.

في أوائل فبراير/شباط، أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عن هجوم على خط أنابيب الغاز الذي يمر عبر سيناء، والذي كان هدفا للعديد من الهجمات في الماضي.

وفي هذا الإطار، قال مدير البحوث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية المختص في الشؤون الطاقية: "يمكن للغاز أن يساعد على تهدئة النزاعات من خلال جعل الدول تعتمد على بعضها البعض، ولكن يمكن أن يؤدي أيضا إلى تفاقمها"، مستدركا: "من السابق لأوانه تحديد الاتجاه الذي سيسود"، وفق تعبيره.

الإنتاج العالمي

لاكروا أكدت في ملفها أن السياق العالمي بالكاد يفضي إلى المشاريع الكبيرة. وأن الكوكب مليء بالغاز، والإنتاج في أعلى مستوياته على الإطلاق ويستمر في التقدم مع استغلال رواسب جديدة، كما هو الحال في أستراليا أو سيبيريا، دون أن ننسى الغاز والنفط الصخري (الشيست) الأمريكيين، والذي يحتوي أيضا على الكثير من الغاز. 

نتيجة لذلك، في أوروبا وآسيا، انخفضت الأسعار بأكثر من 40٪ في عام 2019. في الولايات المتحدة، كانت في أدنى مستوياتها منذ ثلاثين عاما.

وفي هذا الإطار يقول تيري بروس: "لفترة طويلة، كان منتجو الغاز في منطق زيادة إيجارهم إلى الحد الأقصى، من خلال استثمارات مربحة على مدى عدة عقود. لكن هذا المخطط لم يعد يعمل، وللبقاء على قيد الحياة، يجب عليهم تبني نموذج صناعي منخفض التكلفة".

ومع ذلك، في المياه العميقة في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، فإن إنتاج الغاز مكلف، بالنظر إلى الظروف الجيولوجية. وهو ما دفع أحد الخبراء للتأكيد على أنه "باستثناء الحقول الكبيرة التي ستدخل حيز التنفيذ، فإن الحقول الأخرى يمكن أن تنتظر، إذا لم تكن كبيرة بما يكفي"، وفق ما نقلت الصحيفة الفرنسية عن بروس.

الانتقال الطاقي

واستدركت لاكروا، في تقريرها أن "القضية هي أيضا جيوسياسية"، موضحة أن الاتحاد الأوروبي يحرص على تنويع إمدادات الغاز لتقليل اعتماده على روسيا.

في بداية يناير/كانون الثاني عام 2020، وقعت اليونان وإسرائيل وقبرص في أثينا، اتفاقية لبناء "إيستماد"، وهو خط أنابيب للغاز طوله 2000 كيلومتر، تحت الماء إلى حد كبير، والذي سيربط بين حقول البحر الأبيض المتوسط ​​وإيطاليا. لكن التكلفة قد تصل إلى حوالي 9 مليارات يورو، ولا أحد يعرف كيف تنتهي الجولة.

وأوضحت أنه في بروكسل، بدأت الانتقادات تتجه نحو استخدام الغاز بشكل متزايد، حتى لو كانت الطاقة الأحفورية هي التي تنتج ثاني أكسيد الكربون الأقل.

في خارطة الطريق الجديدة لانتقال الطاقة، ترغب لجنة أورسولا فون دير لين الجديدة في تحقيق حياد الكربون في عام 2050، مما يقلل بالضرورة من مكانة الغاز.

في نوفمبر/تشرين الثاني، تعهد بنك الاستثمار الأوروبي (EIB) أيضا بوقف تمويل مشاريع الوقود الأحفوري من عام 2021.