صحيفة الاستقلال

تقارير

السيسي يكلف عباس كامل بمواجهة نفوذ تركيا.. طبيعة المهمة ودلالتها

01/03/2020 | تقارير
السيسي يكلف عباس كامل بمواجهة نفوذ تركيا.. طبيعة المهمة ودلالتها
عباس كامل يسعى بتكليف من السيسي لصنع خلية نشطة من رؤساء استخبارات دول عربية للحد من نفوذ تركيا في المنطقة
حجم الخط طباعة

منذ عدة أشهر، وتحديدا في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، من قصر "دولمه بهتشه" على مضيق البسفور، بمدينة إسطنبول التاريخية، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تصريحات ضد بعض الأنظمة العربية، التي تقارع تركيا، وتناصبها العداء.

أردوغان قال: "تركيا لم تكن محتلة في يوم من الأيام، ولم ولن تفكر حتى بالاحتلال من أصله.. ربما لو طلبنا هذا الشيء فقط لكان كافيا.. فيجب على قليلي الأدب الذي يصفون تركيا بالمحتلة، أن يلزموا حدهم أولا".

يبدو أن أردوغان كان يلمح لمحور الشر، الإمارات، السعودية ومصر، والأخيرة بقيادة عبد الفتاح السيسي، بدأ بالفعل في شن حملة جديدة ضد تركيا، يقودها عباس كامل رئيس المخابرات العامة، والرجل الثاني في الدولة بعد السيسي.

كامل وبتكليف من السيسي يسعى أن يوحد الجبهات، ويصنع خلية نشطة من رؤساء استخبارات دول عربية، للحد من الحضور والنفوذ التركي في المنطقة، فهل تنجح الدبلوماسية المصرية في تكوين جبهة في المنطقة ضد تركيا؟.

جبهة أمنية

في 26 فبراير/ شباط 2020، نشرت مجلة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية المعنية بالشؤون الاستخباراتية، تقريرها تحت عنوان "القاهرة تتخذ خطوات لتأسيس جبهة أمنية عربية لوقف طموحات أردوغان"، حيث أكدت المجلة الفرنسية أن "عباس كامل رئيس مخابرات السيسي، يحاول حشد الأنظمة العربية، لمعاداة تركيا، ووقف تطلعاتها، وتمددها في المنطقة". 

صحيفة "العرب" القطرية نشرت في 20 فبراير/ شباط 2020 تقريرا بعنوان "عباس كامل يقود تنسيقا أمنيا مصريا لمواجهة التمدد التركي"، ذكرت من خلاله عبر مصادر أمنية، معلومات تفصيلية عن لقاءات عباس كامل ببعض رؤساء أجهزة المخابرات العربية، وما كشفه لهم من معلومات، ومتطلباته المستقبلية، لمواجهة ما أطلق عليه النفوذ التركي في المنطقة.

الصحيفة ذكرت أن "جولة عمل أجراها عباس كامل، شملت دول شمال إفريقيا، إضافة إلى المنطقة الشرقية في ليبيا، الخاضعة لسيطرة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من مصر والإمارات. 

وأردفت: أن "كامل استهدف من خلال حراكه، الاجتماع مع نظرائه في بلدان شمال إفريقيا، بشأن تنشيط التعاون الاستخباراتي معهم".

وقالت: "الرجل الأول في المخابرات المصرية، ناقش مطولا الإستراتيجية التركية وخططها الجديدة في 2020، وعلى رأسها تحريك وكلاء لتركيا في الدول التي زارها بهدف تخريب الاستقرار ليتاح لأنقرة الإمساك بأوراق قوة جديدة في المنطقة تجعلها أكثر تحكما بشروط تفاهمات ومفاوضات مع الأوروبيين أو الروس والأمريكيين".

وتعتمد خطة المواجهة، على منع أي وجود تركي عسكري إضافي في المنطقة، وتقوض وجوده الحالي في ليبيا وسوريا وقطر والصومال وغيرها.

مسار استخباراتي

في 24 فبراير/ شباط 2020، كشفت مصادر أمنية لصحيفة "العربي الجديد"، أن لجوء مصر إلى المسار الأمني والاستخباراتي في التنسيق، وفتح قنوات اتصال متطورة مع تلك الدول، هو دعوى وجود مخاطر مشتركة تهدد المنطقة، يأتي في ظل ضعف المستوى السياسي، وفي ظل التباين الواضح على المستوى السياسي بين الأنظمة والحكومات في تلك الدول والنظام المصري. 

من جانبه يوجه النظام المصري، اتهامات لسياسات تلك الدول العربية بأنها خاضعة لخطط جماعة "الإخوان المسلمين"، إذ تشارك حركة "النهضة"، ذات التوجه الإسلامي، بالحكم في تونس، فيما يقود حزب "العدالة والتنمية" الحكومة في المغرب، وسط دور متصاعد للإسلاميين في الجزائر، وهو ما تخشاه مصر وحلفاؤها في السعودية والإمارات، الذين يناصبون الحركات الإسلامية، والتحولات نحو الديمقراطية العداء. 

تباين الرؤى

حسب المصادر، فإن رئيس المخابرات المصرية، حاول زحزحة موقف تونس والجزائر تحديدا، لأن تونس والجزائر تحتفظان بعلاقات جيدة مع أنقرة، ولهما تقديرات حول الأزمة الليبية ليست متطابقة مع مصر، وهو ما وضع عراقيل وصعوبات أن تصل هذه التحركات إلى مستوى التحالف الأمني بين القاهرة والعواصم المعنية.

وفي 26 يناير/ كانون الثاني 2020، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الجزائر، تلبية لدعوة نظيره عبد المجيد تبون، الذي كان في استقباله بمطار "هواري بومدين" الدولي بالعاصمة، مع عدد من المسؤولين الجزائريين.

تلك الزيارة تحديدا أقلقت محور القاهرة، وأبوظبي، والرياض، مع إعلان الجانبين أن الزيارة تحمل "أهدافا تاريخية" وتهدف إلى "نقل العلاقات المثالية بين البلدين إلى مستوى إستراتيجي"، مع إقدام الجانبين التركي والجزائري على خطوات مهمة فيما يخص تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية، بينهما، ومناقشة قضايا إقليمية حساسة، على رأسها الملف الليبي.

وفي 25 ديسمبر/ كانون الأول 2019، زار أردوغان تونس، والتقى بالرئيس الجديد قيس سعيد، في أول زيارة رسمية يقوم بها زعيم خارجي إلى تونس بعد الانتخابات الرئاسية، وسبق أردوغان في ذلك زعماء العرب وقادتهم. 

أما الزيارة نفسها، فقد أحدثت الكثير من الجدل، والإرباك العام لدى أطراف عربية ودولية، حيث أطلق أردوغان من تونس تصريحات حيوية بشأن ليبيا، مجددا حديثه عن عدم قانونية المرتزقة الذين يقاتلون بجانب حفتر.

وقال محللون سياسيون تعليقا على الزيارة: إنها "تمثل لأردوغان اختراقا مهما في الجوار العربي لليبيا، واختراقا للمجال العربي كله، وتدعيما لعلاقات بلاده مع عاصمة عربية مهمة لتعويض تأزم العلاقات مع عواصم أخرى، وكسر محاولات العواصم التي تخاصمه لمحاولة فرض عزلة عليه في المحيط العربي والشرق أوسطي".

محاولات مستمرة

المحاولة الأخيرة التي تقودها المخابرات المصرية، بقيادة عباس كامل، لتحجيم دور تركيا، لم تكن الأولى، بل جاءت ضمن سياق من المحاولات المستمرة، قامت بها دول عربية بأجهزتها الاستخباراتية.

في 5 أغسطس/ آب 2019 نشر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني تقريرا، تحت عنوان "الخطة الإستراتيجية" للمملكة العربية السعودية لإسقاط تركيا"، وقال: "إنه اطلع على وثائق لهيئة إماراتية تفيد بأن السعودية أعدت وباشرت تنفيذ خطة إستراتيجية تهدف إلى تقويض النفوذ التركي في المنطقة، وإسقاط حكومة أردوغان".

وأكد الموقع البريطاني أن "الخطة تأتي ضمن تقرير سري أعدته الأجهزة الاستخباراتية في الإمارات، الحليف المقرب من المملكة". 

وحسب التقرير، فإن "مركز الإمارات للسياسات، وثيق الصلة بجهاز الاستخبارات في أبوظبي، أفاد بأن الرياض بدأت في تنفيذ الخطة، في أعقاب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي". 

وذكر التقرير أن الوثيقة تضمنت جزئية تصف "فشل أردوغان في محاولته تدويل قضية خاشقجي، وحان الوقت للرد على أردوغان الذي ذهب بعيدا في حملته ضد سياسات المملكة، وبشكل خاص ضد شخص ولي العهد (محمد بن سلمان)". 

التقرير كشف عن أن أوامر صدرت في الرياض خلال مايو/ أيار 2019 بتطبيق خطة إستراتيجية لمواجهة الحكومة التركية.

وتهدف الخطة إلى استخدام "جميع الأدوات الممكنة للضغط على حكومة أردوغان لإضعافه، وإشغاله باستمرار بالقضايا المحلية على أمل أن يؤدي ذلك إلى إسقاطه من قبل المعارضة، أو يبقيه مشغولا بمواجهة الأزمات الواحدة تلو الأخرى، ويدفعه إلى الانزلاق وارتكاب الأخطاء والتي من المؤكد أن وسائل الإعلام ستستغلها".

مفارقات الهيمنة 

في عمليتها الأخيرة "نبع السلام" بسوريا، قدمت تركيا نموذجا لقوة الدولة، ونهضتها، وبروزها إقليميا ودوليا، في الوقت الذي تعاني فيه أنظمة عربية من هزائم سياسية وعسكرية متعددة، مثل تعثر السعودية في اليمن، وتورط مصر والإمارات في ليبيا،  وتقديمهم صورة للدبلوماسية العاجزة عن إنفاذ إرادتها، وتحقيق مصالح شعوبها.

وتمثلت قوة أنقرة، في تجربتها القائمة على قواعد نهضة حقيقية، وديمقراطية نافذة، ما أقلق الأنظمة العربية، التي تفتقد إلى الدبلوماسية القوية، والحكم الدستوري السليم، وهو ما أوصل الأمر إلى مناكفات، وخلافات جوهرية بين تلك الأنظمة، وأنقرة، كما حدث في عملية "نبع السلام".

وفي 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، خلال اجتماع مغلق عقده أردوغان مع رؤساء تحرير عدد من الصحف والقنوات ووكالات الأنباء، في قصر "دولمة بهتشه" بمدينة إسطنبول، قال مخاطبا الدول العربية الرافضة لعملية نبع السلام: "أنتم تتحدثون بنفطكم ودولاراتكم ولديكم بعض الهواجس، ولكن تركيا تتحدث بمواقفها". 

وصب الرئيس التركي جام غضبه عليهم قائلا: "لو اجتمعتم كلكم ما بلغتم قدر تركيا"، وأكد أن "تركيا تنقذ العرب المهجّرين من الإرهاب في سوريا".