صحيفة الاستقلال

ترجمات

مجلة أميركية: هكذا اختطف ترامب السياسة الخارجية أثناء إجراءات عزله

20/03/2020 08:03:00 | ترجمات
مجلة أميركية: هكذا اختطف ترامب السياسة الخارجية أثناء إجراءات عزله
"حلفاء ترامب أظهروا عدم المبالاة تجاه أي مبادئ دائمة للأمن القومي الأمريكي"
حجم الخط طباعة

قالت مجلة فورين أفيرز، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اختطف السياسة الخارجية للبلاد أثناء إجراءات عزله، مستدلة على ذلك بعدة حوادث، في مقال كتبه المؤرخ والأستاذ في جامعة نيويورك تيموثي نقتالي.

وقال نقتالي في مقاله: "في الساعة 9:00 مساء يوم 24 سبتمبر/أيلول 2019، انتظر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط آمن للتحدث مع ترامب، حيث كان الأول في نيويورك لحضور الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنه لم يكن يتصل بشأن أعمال الأمم المتحدة في تلك الليلة".

الأزمة مع إيران

وتابع: "ما حدث أنه في الساعات الـ 48 السابقة، التقى ثلاث مرات بالرئيس الأميركي ومرتين بنظيره الإيراني حسن روحاني، حيث كان يهدف إلى التوسط في أول اتصال مباشر ورسمي بين قادة الخصمين منذ عام 1978، وهو الآن على وشك المغادرة إلى باريس، ولديه أخبار سيئة لترامب، وهي أن روحاني قد أصابه الفتور حيال تهدئة الأزمة".

ووفقا لمصادر فرنسية، شكر ترامب ماكرون على جهوده وشجعه على مواصلة المحاولة، في وقت كان هناك إعصار سياسي قد بدأ بالفعل، في وقت سابق من ذلك اليوم.

وتمثل الإعصار بإعلان رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وهي ديمقراطية من ولاية كاليفورنيا، عن بدء تحقيق رسمي في مساءلة ترامب، وهو الرابع في تاريخ الولايات المتحدة والثالث منذ عام 1973 الذي يتعرض للمساءلة.

واعترف ترامب ضمنيا بأنه أثار ادعاءات فساد لا أساس لها من الصحة ضد جو بايدن نائب الرئيس السابق في اتصال مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي.

كان الأوروبيون يراقبون بلا حول ولا قوة في عام 2018، حين نقضت إدارة ترامب الاتفاق النووي مع إيران الذي تم التفاوض عليه بدقة عام 2015 لصالح حملة "أقصى ضغط" للعقوبات الاقتصادية.

سارعت الشركات الأوروبية، بما في ذلك توتال الفرنسية وإيرباص، إلى القيام بأعمال تجارية مع الشركات الإيرانية بعد صفقة 2015، التي رفعت العديد من العقوبات الدولية، والآن أصبحت هذه الاستثمارات الفرنسية في خطر.

كما بدأت إيران في مضايقة السفن في الخليج العربي وانتهاك شروط الاتفاق النووي التي ألغيت بشكل تدريجي، واتخاذ خطوات محسوبة نحو تطوير سلاح نووي.

ففي أغسطس/آب ٢٠١٩، حاول ماكرون جعل ترامب والإيرانيين يتحدثون مرة أخرى في قمة مجموعة السبع في بياريتز، بفرنسا، لكن الجهود باءت بالفشل.

وفي 14 سبتمبر/أيلول ٢٠١٩، ضربت طائرات بدون طيار إيرانية منشآت إنتاج النفط المملوكة للدولة في شرق السعودية، مع احتمالية تحول التوترات بين الولايات المتحدة وإيران لخطر الحرب الشاملة المفتوحة. كان لدى الزعيم الفرنسي أسباب كثيرة يأمل من خلالها تحقيق انفراجه دبلوماسية.

أزمة سابقيه

أثناء الأزمتين السابقتين لمحاكمتي الولايات المتحدة في حقبة القوة العظمى: أزمة الرئيس ريتشارد نيكسون في 1973 - 1974 وأزمة الرئيس بيل كلينتون في 1998 - 1999 - كان يمكن للمرء أن يتساءل بشكل معقول عما إذا كان التحدي الدستوري المحلي للرئيس سيؤثر على العلاقات الخارجية للولايات المتحدة.

في عام 2019، كان هذا السؤال غير موضوعي، لأنه لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، نشأت إجراءات العزل من سلوك الرئيس في الشؤون الخارجية، حيث حطمت جهود ترامب للضغط على أوكرانيا الجدار التقليدي بين السياسة الداخلية والخارجية.

وعمل كل من نيكسون وكلينتون على اختبار ذلك الجدار وخرقاه من حين لآخر، بحثا في الخارج عن إنجازات السياسة الخارجية عندما تعرضت رئاستهما للتهديد في الداخل، لكن ترامب لم يعترف قط بوجود الجدار في المقام الأول، في مواجهة احتمال عزله.

وتقول المجلة: "أجرى ترامب تعديلات جذرية على السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط وأبرم صفقة تجارية غير مواتية مع الصين، كل ذلك لتعزيز شعبيته المحلية المتدنية".

وكانت أزمة إقالة ترامب أيضا هي الأولى التي ألحقت الضرر الشديد بجهاز السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وخلال ملحمة نيكسون للمساءلة، قام فريق السياسة الخارجية، بقيادة وزير الخارجية هنري كيسنجر، بملء الفراغ الذي أحدثه رئيس شبه مشلول.

وفي عهد كلينتون، قام فريق الأمن القومي بالعكس، بعد القيادة النشطة لرئيس بقي على الدوام في السياسة الخارجية، لكن أثناء أزمة ترامب للمساءلة، ذهب الرئيس إلى الحرب، بشكل خاص وعلني، مع مؤسسة الأمن القومي.

تقول المجلة: "لقد ألحق دفاع الرئيس ضررا أكبر بقدرة الولايات المتحدة على إبراز القوة الناعمة حول العالم، حيث جادل ترامب والمدافعون الرسميون عنه -الأعضاء المنتخبون في الكونجرس ومحاموه - أنه لا يوجد شيء خاطئ في الأساس في استخدام الرئيس للسياسة الخارجية لدفع أجندته السياسية الشخصية".

وأردفت: "قد تكون ديكتاتوريات العالم متقبلة بسخرية لمثل هذا الاعتراف، لكن الرئيس الأميركي ليس هو الشخص الذي يتطلع إليه حلفاء الولايات المتحدة الديمقراطيون للقيادة العالمية".

وبالنسبة لأولئك في الإدارة الأميركية الذين دافعوا عن المثل القديمة مثل المصلحة الوطنية، تفاعل ترامب مع حملة الأرض المحروقة من التغريدات الساخرة والتهديدية، وتثبيط الروح المعنوية عبر الأمن القومي والبيروقراطية الاستخبارية وتقليص مصداقيته في الخارج.

السياسة الخارجية

كان رد فعل ترامب الأولي على التهديد بالعزل هو محاولة تقليل احتمالية حدوث مشاكل خارجية، لم يكن يأمل فقط في عقد اجتماع انفرادي مع روحاني، بل سعى إلى مزيد من الانسحاب من الشرق الأوسط بأكمله.

في 6 أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٩، بعد أسبوعين من بدء مجلس النواب التحقيق في مكالمته الهاتفية مع زيلينسكي في 25 يوليو/تموز، صدم ترامب العالم بموافقته على اقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن ينسحب الجيش الأميركي من منطقة الحدود التركية السورية من أجل تمهيد الطريق للدخول التركي.

أثار الاتفاق مع تركيا معارضة فورية، ليس فقط من الديمقراطيين في الكابيتول هيل ومتخصصي الأمن القومي ولكن من أعضاء حزب ترامب نفسه والجيش الأميركي.

كانت واشنطن تتخلى فعليا عن شركائها الأكراد، الذين لعبوا دورا مركزيا في التحالف الذي أنشأه الرئيس السابق باراك أوباما لمواجهة تنظيم الدولة.

ربما لم يكن رد الفعل السلبي الحاد هو ما توقعه ترامب، وسرعان ما تحرك لمحاولة احتواء التداعيات السياسية، بعد أن شنت تركيا غارات جوية على مواقع كردية في 9 أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٩.

أرسل ترامب رسالة إلى أردوغان يطالبه بعدم المضي قدما في الغزو المخطط له، حيث لم يسبق لأي رئيس أميركي يواجه الاتهام أن كان ضعيفا محليا أمام رجل أجنبي قوي.

ولذلك، ليس من المستغرب أن الجيش التركي دخل سوريا على أي حال، مثلما استغلت تركيا فترة الرئاسة الأميركية المأزومة لنيكسون عام 1974، لغزو قبرص.

وتابعت المجلة أن "القليل من المعلومات حول العملية التي تم نشرها للجمهور لا تشير إلى الدور، إن وجد، فالتوترات الأميركية التركية أثرت على توقيت العملية، لكن عند إعلان مقتل زعيم تنظيم الدولة أبو بكر البغدادي، شكر ترامب تركيا وروسيا (بالإضافة إلى العراق والأكراد السوريين) على مساعدتهم في المهمة".

استغلال الضعف

وزادت: "على الأقل، كان توقيت الغارة مناسبا، مستقبلا توهج هذا النجاح، رحب ترامب بنظيره التركي رجب طيب أردوغان في المكتب البيضاوي في 29 أكتوبر/تشرين الأول".

لم تكن تركيا الدولة الوحيدة التي حاولت استغلال موقف ترامب السياسي الضعيف، ففي 18 ديسمبر/كانون الأول، وافق مجلس النواب على مادتين من الاتهام ضد الرئيس الأميركي.

بعد أقل من أسبوعين، أطلق مسلحون مدعومون من إيران في العراق صواريخ على قاعدة عسكرية في شمال العراق، مما أدى إلى إصابة العديد من الجنود الأميركيين والعراقيين وقتل مقاول أميركي.

من المرجح أن طهران اعتقدت أن ترامب كان مشتتا مع الإقالة ولن ينتقم، لكن ترامب لم يضيع وقتا في الرد، فبعد يومين، شنت الولايات المتحدة غارات جوية على منشآت مرتبطة بإيران أو وكلائها في العراق وسوريا، مثل الضربات الجوية لكلينتون ضد أسامة بن لادن وصدام حسين في عام 1998.

كانت هذه الضربات ردود فعل واضحة على أفعال الخصم التي تجاوزت خطا مفهوما جيدا. لا يبدو أنها أفعال تحويل سياسي. ولكن ما حدث بعد ذلك في الحرب الباردة بين طهران وواشنطن هو أكثر صعوبة في تفسيره دون أخذ الاعتبارات السياسية المحلية في الاعتبار.

ففي 31 ديسمبر / كانون الأول، اخترق أنصار العراق بوابة خارجية للسفارة الأميركية في بغداد، وأشعلوا النار في منطقة الاستقبال، حتى أنه في أهدأ اللحظات السياسية، كان من شأن مثل هذا الإجراء أن يلمس عصبا تاريخيا، ولكن في خضم ملحمة اتهام بالعقوبة، كان أصداء طهران عام 1979 وبنغازي عام 2012 أكثر صدى، لم يستطع ترامب تحمل الوضع المتفجر في بغداد ليصبح بنغازي.

في سعيهم لتبرير سياسات الرئيس المتمحورة حول الذات على أنها مسألة امتياز عريق، أظهر حلفاء ترامب عدم المبالاة تجاه أي مبادئ دائمة للأمن القومي الأميركي قد تتجاوز الرئاسات.

بل إنهم دافعوا عن سياسة ترامب الخارجية أكثر أثناء أزمة الإقالة، في محاولة لتعزيز شعبيته، فقام الرئيس بتسريع أجندة "أميركا أولا"، والتي كانت في الواقع أجندة "ترامب أولا".

انسحبت الولايات المتحدة فعليا من الشرق الأوسط، مما يشير إلى عدم الاهتمام باستقرار سوريا أو العراق، وعندما اختبرت طهران ترامب في لحظة الضعف هذه، كان رد فعله مناسبا في البداية.