صحيفة الاستقلال

تقارير

روايات تنبأت بتفشي كورونا.. هكذا تطابقت تفاصيل أحداثها مع الواقع

30/03/2020 20:03:00 | تقارير
روايات تنبأت بتفشي كورونا.. هكذا تطابقت تفاصيل أحداثها مع الواقع
رواية "عيون الظلام" تحكي عن فيروس ينطلق من مدينة ووهان الصينية ويتفشى بشكل خارج عن السيطرة
حجم الخط طباعة

تعد روايات الخيال العلمي من أشد الكتابات الجاذبة للقراء، يلجأ إليها البعض إما بحثا عن الحقائق الخالدة عن العالم أو التحليل العميق للحالة الإنسانية عبر كل الأزمنة.

وحتى يجعل الروائي عمله أكثر نجاحا وجاذبية، يتخذ من المستقبل مسرحا لفصول روايته، ويتنبأ بأحداث قد تتحول إلى حقائق، وهو ما أثبتته روايات عديدة تطابقت أحداثها مع الواقع ولو بعد مرور عشرات السنين على إصدارها.

الروائي جون برانر كان أحد هؤلاء، الذين ألفوا أعمالا صنفت خيالا علميا بدقة بالغة، ففي عام 1968 كتب عن الحياة في عام 2010، وتنبأ بظهور أجهزة إلكترونية ومحادثات مرئية، وزواج المثليين، وتقنين الحشيش.

تخصص الكاتب في صنف الخيال العلمي قبل الـ18 من عمره، وكان يستند في ذلك على خياله الخصب الذي أثراه بقراءة الدوريات العلمية: مثل "نيو سوسايتي" و"نيو ساينتست". 

الطريف في الأمر أن أغلب البشر يفضلون الاعتماد على هذه الروايات كمصادر رئيسية يستقون منها معلوماتهم خاصة ما يتعلق منها بالمستقبل البعيد.

رواية "الطاعون"

"الطاعون" رواية صدرت عام 1947 لكاتبها الفرنسي ذي الأصول الجزائرية، ألبير كامو، وتعد إحدي الروايات التي تناولت الأوبئة في الأدب العالمي، حتى أصبحت، الأعلى مبيعا عبر العالم، ما دفع دور النشر إلى إصدار طبعة جديدة منها.

تدور أحداث "الطاعون" في مدينة وهران الجزائرية، وتروي قصة عاملين في الطب في زمن الطاعون، وصف ألبير في فصول عمله وقع الوباء على الطبقة الشعبية الفقيرة، بعد إعلان الحجر الصحي على المدينة بأسرها وهذا يعني انعزالها تماما عن العالم.

أرجع الكاتب سبب المرض إلى اقتحام الجرذان للمدينة، وتعرض الكاتب والمسرحي بسبب ذلك إلى الكثير من الانتقاد، إذ اعتبر المهتمون أنه رمز بذلك إلى موقف الفرنسيين من الغزو الألماني للمدينة التي دارت فيها الأحداث. 

"إن الرأي العام شيء مقدس، وينبغي ألا يثار الاضطراب فيه"، العبارة مقتبسة من الرواية، لكنها أصبحت سياسة تتبعها بعض الحكومات في الوقت الحالي، إذ تفضل التأخر في الإعلان عن وجود مصابين أو إخفاء الرقم الحقيقي. 

وتناقش الرواية أمر البدايات التي لم تكترث لها السلطة في وهران، والتبريرات المعهودة، فمن ظهور جرذ أمام عيادة الطبيب إلى نفوق الجرذان الغازية لدائرة مكافحة الجرذان، ثم حالات الموت، وكما يقول الراوي: "الواقع أن أحدا لم يفكر في أن يتحرك ما دام كل طبيب لم يقف إلا على حالتين أو ثلاث، ولكن كان بحسب بعضهم أن يفكر بجمع الأرقام فيذعر ويبهت".

"طاعون" ألبير كامو أثار جدلية "القضاء والقدر" بين طبيب ملحد وقس وصحفي جاء زائرا، فصار من أهل المدينة لا يستطيع مغادرتها بعد أن عزلت وهران عن العالم، هذا الحجر منع الصحفي من حبيبته، وحال بين الطبيب وزوجته التي كانت خارج وهران للاستشفاء.

بفضل الرواية حصل ألبير كامو على جائزة نوبل في الأدب، سنة 1957، ففي الوقت الذي كانت تروي فيه قصة أبطالها، انطلقت من ظرف وغاية كتابتها نحو أسئلة وجودية عن ماهية القدر والوضعية الإنسانية إزاء موت معلن.

 "عيون الظلام"

وإذا كانت أحداث "الطاعون" مشابهة لما يمر به العالم اليوم بسبب جائحة كورونا، فإن رواية "عيون الظلام" للكاتب الأميركي، دين كونتز عام 1981، تكاد تكون مطابقة لما يجري بشكل مخيف، إذ تحكي عن فيروس ينطلق من مدينة ووهان الصينية، ويتفشى بشكل خارج عن السيطرة.

تتحدث الرواية عن تطوير علماء في مختبر تابع للجيش الصيني لفيروس جديد كجزء من برنامج الصين للأسلحة البيولوجية، وهي الاحتمالية التي راجت عنها أخبار مع بداية ظهور الفيروس، من بين أخرى تحدثت عن نظرية المؤامرة. 

بذلك يتضح أن المقبلين على هذه الروايات يبحثون عن إجابات لأسئلتهم التي يعجز العلم عن الإجابة عنها - على الأقل في الفترة الراهنة - ويسعون إلى إسقاط العمل على الواقع لفهم ما يجري، وفي حالات أخرى إرضاء لفضول يتطلع دائما إلى نهاية القصة، لفهم ما يجري حولنا ومعرفة كيف ينبغي أن نتحرك.

مواجهة الديكتاتور

الأمر تفسره حالات أخرى جعلت الناس يقبلون على روايات صدرت قبل سنوات تزامنا مع الحدث نفسه الذي تدور عنه الرواية. 

في عام 2014  عرفت الرواية المعنونة بـ"1984" للكاتب البريطاني جورج أورويل انتشارا كبيرا في صفوف شباب الوطن العربي بشكل خاص، فعادت الرواية التي صدرت في عام 1949 إلى الواجهة كما لو أنها صدرت حديثا. 

تتحدث الرواية عن الديكتاتورية ورأى المقبلون عليها أنها تنبأت بمصير العالم بعد 4 عقود، إذ تقول: إنه سيُحكم من قبل قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا تحقق لهم طموحاتهم وأحلامهم، بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء حيث يمثل الحكم الشمولي.

القراء أسقطوا أحداث الرواية على انقلاب الجيش على الشرعية في مصر سنة 2013.

تدور الأحداث في إيرستريب (بريطانيا العظمى سابقا) في عالم لا تهدأ فيه الحرب والرقابة الحكومية والتلاعب بالجماهير، يحكم تلك البقعة نظام سياسي يدعي الاشتراكية الإنجليزية، وتملك زمامه نخبة أعضاء الحزب الداخلي الذين يلاحقون الفردية والتفكير الحر بوصفها جرائم فكر.

يجسد الأخ الكبير طغيان النظام، وهو قائد يحكم كزعيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن كان ثمة احتمال أنه لا وجود له. يسعى الحزب للسلطة لا لشيء سوى لذاتها، لا لمصلحة الآخرين.

أما بطل الرواية، وينستون سميث، فهو عضو في الحزب الخارجي وموظف في وزارة الحقيقة المسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ، وعمله هو إعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب على الدوام.

يتلقى الموظفون في وزارة الحقيقة تعليمات تحدد التصحيحات المطلوبة، وتصفها بالتعديلات عوضا عن التزييفات والأكاذيب. كما يعكف جزء كبير من الوزارة على تدمير المستندات الأصلية التي لا تتضمن تلك التعديلات.

وبذلك يذهب الدليل على كذب الحكومة أدراج الرياح. يجتهد وينستون في عمله ويؤديه على أكمل وجه، مع أنه يبغض الحزب سرا ويحلم بإضرام ثورة على الأخ الكبير.

تدخل "1984" ضمن صنف الخيال السياسي والخيال العلمي "ديستوبيا" أي المنذر بنهاية العالم، لكن البعض صنفها على أنها وثيقة الصلة بعالمنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، وأنها تمدنا بما نحتاجه لمواجهة معطيات هذا العالم.

وإذا كانت شاشات التلفاز تراقبك في كل مكان، والجميع يتجسس على الجميع في الرواية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تُخزّن كل رد فعل وتعليق لتمد به الأنظمة التي أصبحت تستبيح الحياة الخاصة لمواطنيها، حتى تعلم متى وكيف توجه لهم الضربة.

ترامب عام 53

بدأت الـ"ديستوبيا" على يد الكاتب الإنجليزي جويف هول عام 1607 حين كتب روايته "العالم الآخر والعالم ذاته"، في مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف، ويسمى أيضا "أدب المدينة الفاسدة" أو "عالم الواقع المرير"، ومن أبرز ملامحه الخراب، والقتل والقمع والفقر والمرض، وباختصار هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته.

ظهر هذا الصنف الأدبي في العديد من الأعمال، ومنها رواية "فهرنهايت 451" للأميركي راي براديري سنة 1953، التي يراها البعض تمثل فترة حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويتوقعون كابوسية الفترة المقبلة مثل ما حدث في الرواية، إذ تحول التلفاز إلى وسيلة للدعاية السياسية فقط، وربما يحرق ترامب الكتب قريبا. 

وتحكي عن قصة نظام شمولي يقوم بغزو العالم في المستقبل ويجعل التلفزيون دعاية سياسية له ويقوم بحرق الكتب.

بطلها هو رجل الإطفاء "مونتياج" يلتقي صدفة بجارته المثقفة وتدعى كلاريس وقد قامت بجذبه وإقناعه بقراءة رواية جميلة حيث كانت النتيجة سريعة إذ وقع مونتياج في حب التراث الإنساني العريق الذي لم يكن يعلم عنه لولا كلاريس، وبالتدريج تمرد هو أيضا على السلطة.

هذه الرواية هي رد من راي برادبري على الإرهاب الثقافي الذي مارسه السيناتور جوزيف مكارثي على الكتاب والمثقفين في أميركا.

تعتبر هذه الرواية واحدة من الروايات الكبرى في القرن العشرين، وتم طباعة أكثر من 10 ملايين نسخة من هذه الرواية، وترجمت إلى معظم لغات العالم وفازت بالعديد من الجوائز، بما في ذلك جائزة الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وجائزة بروميثيوس "قاعة الشهرة" وجائزة هوغو.   

الإسقاطات السياسية عن صعود الشعبوية في أميركا التي تجتاحها العنصرية وسيادة العرق الأبيض في عهد ترامب، قام بها الفيلم المقتبس منها الذي خرج بنفس العنوان سنة 2018.

الواقع والرواية

تتحقق التوقعات بنوعيها، الرائع والمروع، ومنها قنبلتا هيروشيما وناجازاكي اللتان أفنتا المدينتين في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945، الاختراع ذكره الأديب المعروف بتشاؤمه الشديد من العلم هربرت جورج ويلز، حتى أنه أوصى أن يكتبوا على شاهد قبره رسالة للبشرية قائلا: "قد أنذرتكم.. أيها الأغبياء!".

في روايته "العالم يتحرر" عام 1914 حذر ويلز البشر من شر الإنسان الذي قد يدفعه ليصنع قنبلة كهذه، وألمح إلى الحرب الوشيكة، وهو ما حدث بعد 31 عاما بالفعل، بل إن علماء القنبلة اعترفوا أن الرواية ألهمتهم بتطوير الفكرة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين.

في عام 1914، وقبل بدء مشروع مانهاتن بحوالي 3 عقود، كتب هربرت روايته عن قنبلة تحتوي على اليورانيوم بإمكانها نسف مدينة بأكملها وتدميرها ومحوها من الخريطة وكأنها لم تكن.

في عام 1932 قرأ الفيزيائي المجري ليو زيلارد رواية ويلز "العالم يتحرر" في السنة ذاتها التي نجحت فيها أولى تجارب الانشطار النووي.

كانت قنبلة ويلز تعتمد على سلسلة من التفاعلات التي تمكنها من الاستمرار في الانفجار لأيام، وربما لأسابيع أو شهور متواصلة حسب حجمها، وكانت تُخلف وراءها سحابة الفطر، تماما كتلك التي تخلفها القنبلة النووية، وكانت تلك القنبلة أيضا تُخلف وراءها إشعاعا مدمرا كذلك الذي تخلفه القنبلة النووية.

إذا كان البعض يفضل روايات الخيال العلمي على كتب التاريخ والمجلات العملية التي تقدم المعلومة بشكل جاف، فإن هذه الأعمال الأدبية تجمع بين اللغة الرشيقة والمعلومة المفيدة وكذا تحفز خيال القارئ.

في حال عدم توفر المعلومة العلمية المؤكدة، قد يلجأ الناس إلى هذه الروايات بل قد تكون هذه الروايات هي مصدر المعلومة، فقد ساهم الخيال العلمي بالفعل في إحداث طفرة في عالم التكنولوجيا والأقمار الصناعية والتواصل الافتراضي.