صحيفة الاستقلال

تقدير موقف

المدن الإعلامية.. ماهية الصناعة ودواعي الوجود

22/03/2020 20:03:00 | تقدير موقف
المدن الإعلامية.. ماهية الصناعة ودواعي الوجود
أبرز ملامح الفترة المقبلة سماها خبراء بـ"حروب الدراما" التي تستهدف نمط الوعي ووجهة الثقافة الفردية للمواطن العربي
حجم الخط طباعة

المحتويات
مقدمة
  • البنية التحتية
  • مسار التأسيس
  • "التحيز" الجغرافي
  • المدينة الإعلامية المعولمة
  • النموذج الروسي
  • لمحة تاريخية
أهم المدن الإعلامية عالميا
أ. مدينة استديوهات والت ديزني
ب. المدينة الإعلامية للمملكة المتحدة
ج. مدينة الإعلام الرقمي الكورية
أهم المدن الإعلامية عربيا
  • مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية
  • المدن الإعلامية الأردنية
  • المدن الإعلامية الإماراتية
  • مدينة غزة الإعلامية
المدن الإعلامية العربية المرتقبة
أنماط الملكية وعلاقتها بالدولة
التأثير والنتائج للمدن الإعلامية في البيئة العربية
أ. التأثير الاقتصادي والاجتماعي للمدن الإعلامية
ب. التأثير التقني للمدن الإعلامية
ج. التأثير السياسي للمدن الإعلامية
المدن الإعلامية نظرة استشرافية
خاتمة

مقدمة

رغم وجود دراسات عربية عدة تضمنت تناولا لملف المدن الإعلامية، إلا أن غالبية التناول خلا من التعريف، واكتفى بالحديث عن الدواعي التي أدت إلى وجودها، وطبيعة العمل فيها، والتطور الذي شهدته الحالة الإعلامية داخل هذه المدن مقارنة بخارجها.

بخلاف ذلك لم يتوقف الباحثون، بحسب ما وصل للباحث من كتب ودراسات في هذا الصدد، عند تعريف ماهية هذه "المدن الإعلامية"، وهو ما يدفع للجوء لاستخلاص التعريفات من قصص التعريف بالمدن الإعلامية القائمة بالفعل.

الحديث عن دواعي اتجاه المنطقة العربية نحو تأسيس هذه المدن كاشف عن جانب كبير من تعريف ماهيتها. وفي هذا الصدد، تشير دراسة للدكتور عباس مصطفى صادق حول المدن الإعلامية الحرة في دولة الإمارات إلى أن الفجوات في النظام الاتصالي العربي التي كشفتها تحديات الثورة الإعلامية والمعلوماتية، وتحديات انتقال أدوات الاتصال وتطبيقاته المختلفة من التماثلية إلى الرقمية، وانطلاق تكنولوجيا الاتصال الجديدة والبث الفضائي، وانتقال القوة الإعلامية من قبضة المؤسسات إلى يد الجمهور، ومناداة المفكرين بضرورة إدارة المؤسسات الإعلامية على أسس تجارية، هذه الاعتبارات قادت جميعها - بجانب مداخل أخرى - إلى نشوء المدن الإعلامية الحرة في المنطقة العربية[1].

البنية التحتية

وتكشف دراسة عباس صادق عن كون المعيار المالي أهم التحديات التي واجهت تطوير البنية التحتية الإعلامية في العالم العربي. فخلال الفترة التي ناهزت تأسيس هذه المدن العربية، كانت البنية التحتية في غالبية الدول العربية تشهد انفجارا في تطورها، يقتضي تحولا واسعا في البنية التحتية من النظام التماثلي أو التناظري باتجاه الرقمنة[2]، وهو ما اقتضى تمويلا ضخما لا تقدر المؤسسات الإعلامية العربية، على توفيره بمفردها بسبب ضعفها المالي، الذي نجم عن تبعيتها للدول، واستسلامها لمفهوم "الرعاية"، سواء أكانت وسائل الإعلام موجودة بالخارج أو بالداخل.

مسار التأسيس

غير أن المسكوت عنه في تناول د. صادق لظروف النشأة هو ما يتعلق بمسار تأسيس المدن الإعلامية، والذي اتخذ منذ البداية شكل تدخل الدولة، سواء باعتبارها مالك للمدينة من جهة كما هو الحال في دولة الإمارات، أو باعتبار الدولة شريكا أساسيا في هذه المدينة عبر مؤسسات مملوكة لها كما هو الحال في مصر على نحو ما سنعرض تاليا.

وانعكس انسحاب الدولة من التجربة الأردنية باتجاه السيطرة على مورد آخر من موارد الضبط، ألا وهو الأساس القانوني لعمل المدينة.

وبجانب مسار ملكية الدولة، هناك مسار الحيز الجغرافي كذلك الذي يدعم هذه الوجهة من النظرة التي ترى أن ولع الدولة العربية - غير الديمقراطية - بالسيطرة على مراكز صناعة المعاني والرموز الثقافية قد أديا للتدخل لوضع هذه الظاهرة في إطار حيز جغرافي بالغ الضيق.

ولعل هذا ما يفسر الحملة التي تشنها الدولة المصرية على المؤسسات الإعلامية التي تبث من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي[3]. وهو مسار تنهجه دولة الإمارات من باب آخر يتضمن تمييزا بين الشركات الأجنبية من جهة والشركات الإماراتية أو العربية المسموح لها بالعمل داخل الإمارات من جهة أخرى، حيث تخضع الشركات الإماراتية لقدرة الدولة وسلطتها التي تمارسها داخل القانون وخارجه[4]، فضلا عن خضوع الشركات العربية لنفوذ الإمارات على دولها، أو على أنماط المصالح التي توفرها لرجال الأعمال العرب الناشطين في مساحة الإنتاج الإعلامي.

"التحيز" الجغرافي

كما أن منهج "التحيز" الجغرافي في الخبرة العربية، مقارنة بالانتشار الجغرافي الذي تتسم به الكيانات الإعلامية في الدول الغربية، من شأنه تمكين السلطات العربية من عزل هذه المنطقة الإعلامية من جهتين، أولاها جهة نخبوية، حيث يجري عزل النخبة الإعلامية التي تتمتع بالحرية عن عموم المجتمع، بما يؤدي للتحكم في ظاهرة عدوى الأفكار، فضلا عن إمكانية التحكم في موارد البنية التحتية ومدى توفيرها لأطراف دون آخرين، في إطار مسعى الدولة لضبط الخطاب الإعلامي العربي في مدينتها الحرة، وهو ما يفسر استدراك رجل الأعمال والإعلامي العربي صالح عبدالله كامل عن غياب "الحرية المطلقة" عن المدن الإعلامية العربية.

ولعل هذا ما يفسر أن ينص القانون رقم 11 لعام 2016 بخصوص "المجلس الوطني للإعلام" الإماراتي على سيطرة هذا المجلس على عملية تداول المعلومات عبر الدولة، بما في ذلك المناطق الحرة. وفي متن القانون، يرى أن من مهام المجلس تنسيق عمل المؤسسات الإعلامية الإماراتية في الداخل والخارج بما يتوافق ورؤية دولة الإمارات[5].

وفي هذا الإطار، فإن مصطلح "المدينة الإعلامية" مصطلح يستخدم حاليا لتوصيف المراكز (من باب التركز الجغرافي) المتخصصة في الإنتاج الثقافي والإعلامي. وتمثل هذه المراكز منصة مجمعة لتقديم الخدمة الإعلامية والثقافية من خلال توفير البنية التحتية الضرورية اللازمة لجذب الشركات الكبرى العاملة في هذا المجال، وإغوائها بالعمل في هذه البيئة المخصصة، والتي يوفر تحيزها الجغرافي حالة من السرعة لاحتياجات عملاء هذه المدن.

المدينة الإعلامية المعولمة

ومن المهم في هذا الإطار أن نعزل مصطلح المدن الإعلامية عن عدد من المفاهيم قريبة الشبه بها، ومن بين هذه المصطلحات مفهوم المدينة الإعلامية المعولمة  أو "Global Media City" ومفهوم الشركات المستحوذة، بتوجهيها المختلفين في دول العالم الرأسمالي ودول العالم الثالث التي يغلب عليها الطابع السياسي الاستبدادي.

المدن الإعلامية من الدرجة الأولى

م

المدينة

عدد المشروعات

عدد الشركات العالمية

1

نيويورك

185

22

2

لندن

180

29

3

باريس

129

25

4

لوس أنجلوس

111

26

5

ميونيخ

96

20

6

برلين

70

19

7

أمستردام

64

18

المصدر: مجلة دراسات التخطيط الأوروبية

فعلى صعيد المصطلح الأول، يشير مصطلح "المدينة الإعلامية المعولمة" إلى مرحلة سبقت ظهور فكرة "المدن الإعلامية" بمعناها الاصطلاحي الذي أسلفنا الإشارة إليه، وتشير لمدينة طبيعية كبيرة أو عاصمة لدولة كبرى وقد تحولت لمركز لتجمع شركات صناعة المعاني والرموز الثقافية والشركات الإعلامية مثل نيويورك أو لوس أنجلوس أو لندن.

ويرتبط المفهوم بنظرة علماء الاجتماع لظاهرة المدينة باعتبارها قائد للحراك الاجتماعي، حيث يظهر فيها نمط "الصناعة الثقافية" كنمط من أنماط الإنتاج.

مصطلح "المدينة الإعلامية المعولمة" أطلقه فريق من الباحثين على مدن عالمية كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس ولندن وغيرها من المدن التي اختارتها شركات "الصناعة الثقافية" لتتمركز فيها، وتجعل منها مدن معولمة، وذلك نتيجة لما أدت إليه أنماط العلاقات عبر القومية بين المدن التي تتركز فيها نخب "الصناعة الثقافية" من فرض حالة عولمة اتصالية، وتماثل في الأطر القانونية، على هذه المدن مقارنة بغيرها من المدن.

وينظر علماء الاجتماع لهذه المدن المعولمة باعتبارها تشهد تولد قطاعات اجتماعية واسعة من المتخصصين في مجال صناعة المعاني وتشكيل الوجدان، ويقدمون معالجة لهذا القطاع الصناعي باعتباره يمثل "ثورة صناعية" جديدة بما يؤدي إليه من تشكل تقسيم عمل جديد وعلاقات عمل مختلفة تتسم بالمرونة وعبور الحدود.

مفهوم "المدن الإعلامية المعولمة" يرتبط في أذهان علماء الاجتماع بمؤشرين أساسيين قاما بتصنيف العواصم والمدن المعولمة على أساسهما إلى 3 درجات رأسية، هذان المعياران هما عدد المشروعات الإعلامية في كل مدينة كبرى أو عاصمة، وعدد الشركات العابرة للقوميات العاملة في كل مدينة في مجال صناعة الإعلام والمعاني.

الجدول المرفق يبين تصنيف مدن الدرجة الأولى من هذا التصور في مطلع الألفية. وبعيدا عن التجارب الخاصة بالتركز الجغرافي، ما زال الخبراء في العالم الغربي يركزون على معدل الإنفاق على الإعلام لتحديد المدن التي تمثل مراكز قيادة في عالم "صناعة الثقافة"، ولا تلتفت في هذا الإطار لوجود منصات متخصصة أو مركزة من عدمه.

وفي هذا الإطار، فإن الصدارة للمدن الإعلامية بالمفهوم الكلاسيكي للمدن الإعلامية (التي تمثل عواصم أو مدنا كبرى) يتمثل في مدينة نيويورك التي أنفقت في عام 2014 نحو 19.7 مليار دولار على الإعلام والترفيه، تليها طوكيو التي أنفقت 19.5 مليار دولار في نفس العام، ثم لندن (16.3)، تليها عاصمة كوريا الجنوبية، سيول (11.9)، ثم هونج كونج (9.1)، ولوس أنجلوس (8.3)، ومدينة سيدني الأسترالية (8 مليارات دولار)، إلى شيكاغو التي أنفقت (5.7)، وسنغافورة (5.4)، وأخيرا تأتي برلين في المرتبة العاشرة بإنفاق بلغ 4.8 مليارات دولار على صناعة الترفيه والإعلام[6].

ويختلف نمط المدن الإعلامية بتعريفها المحدود المشار إليه عاليه كذلك عن نمط آخر يظهر في الدول الرأسمالية، حيث تتجه شركات متخصصة في مجال الإعلام (في الأغلب) للاستحواذ على شركات إعلامية أخرى، فيما يعرف بالعمالقة التسعة، ومن أبرزهم "Viacom" و"Disney" و"Time Warner" و"Clear Channel" و"General Electric" و"News Corporation" المملوكة لرجل الأعمال روبرت مردوخ و"Liberty Media" و"Vivendi Universal" وأخيرا شركة "Sony".

وتعد شركة "جنرال إلكتريك" استثناء في هذا الحقل، فهي من الشركات القليلة غير المتخصصة في مجال الإعلام التي تتجه لشراء عدد كبير من وسائل صناعة الإعلام منها على سبيل المثال ملكيتها لشبكة "NBC" التلفزيونية الأميركية البالغة 49% من الأسهم قبل أن تبيعها لمجموعة الإعلام التلفزيونى الأميركية "Com Cast" مقابل 7 .16 مليار دولار[7]. ومن أبرز هذه الشركات شركة "Viacom" التي تمتلك طيفا واسعا من الشركات الإعلامية، وبخاصة التلفزيونية، مثل "MTV" و"Comedy Central" و"VH1" و"Nickelodeon" و"TNN" و"CMT" و"BET" و"CBS Networks"، ومجموعة محطات الراديو "Infinity Radio Stations"، وشركات الإنتاج مثل "Paramount Pictures" و"Simon & Schuster" و"Scribner".

ويكفي للدلالة على حجم ظاهرة كهذه أن مراقبي الظاهرة الثقافية في الولايات المتحدة كمثال سبق أن تحدثوا عن ملكية 6 شركات لنحو 90% من وسائل صناعة الوجدان والمعاني في الولايات المتحدة[8].

النموذج الروسي

ويختلف نمط المدن الإعلامية والمجموعات الإعلامية العملاقة عن نمط آخر له حضور أيضا في قطاع من الدول، حيث تتجه شركات مقربة من الدولة نحو تشكيل مجموعة إعلامية، عبر استغلال فوائض رأس المال للحصول على القوة الناعمة التي تتيحها وسائل الإعلام الموجودة بالفعل، ويمكن الحديث عن نموذج "جازبروم ميديا" الروسية، إحدى شركات مجموعة "جازبروم" المتخصصة في مجال إنتاج الطاقة، والتي أسست شركتها الفرعية "جازيروم ميديا" للسيطرة على قطاع واسع من الوسائل الإعلامية، من قنوات تلفزيونية مثل قنوات "2×2" و"NTV" و"Match!" و"TV-3" ومجموعة قنوات "TNT" و"Pyatnica"، ومحطات إذاعية مثل " AvtoRadio" و"CITY-FM" و"Comedy Radio" و"Ekho Moskvy" و"Kids Radio" و"Relax FM" و"Romantica"، بالإضافة لاستحواذها على مراكز وشركات للإنتاج السينمائي مثل "Central Partnership" و"Comedy Club Production" و"Red Media" و"NTV-Kino"، ومجموعات دور العرض السينمائية مثل "October Cinema" و"Crystal Palace Cinema"، هذا فضلا عن سيطرتها على عدد واسع من الصحف الروسية واسعة الانتشار مثل مجموعة "Story Caravan" ومجموعة "Seven Days". وتحذو السلطات المصرية حذو النموذج الروسي في امتلاك وسائل الإعلام.

لمحة تاريخية

هل هناك اتصال أم انقطاع في تاريخ المنصات المجمعة للإنتاج الإعلامي؟ هذا التعبير "المنصات المجمعة للإنتاج الإعلامي" اسم جامع لظاهرة تركز مؤسسات الإنتاج، وهي ظاهرة بدأت في الولايات المتحدة، في مدينة لوس أنجلوس مقر ما يعرفه العالم باسم مدينة هوليوود" التي تعد أقدم المدن الإعلامية المعولمة في العالم، حيث بدأت هذه المدينة تشهد تجمعات مؤسسات الإنتاج الإعلامي التي بدأت مع شركة "UNIVERSAL" التي تأسست عام 1912، والتي بدأت باستديوهات محدودة طيلة عقدي العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، ثم بدأت تشهد طفرة في تكوين المؤسسات الإعلامية المجمعة منذ الأربعينات، لتبدأ بعد ذلك سلسلة "كبار مجمعي المؤسسات الإعلامية"، وهي الظاهرة التي يعرفها النقاد الأميركيون باسم "Media Conglomerate"، والتي بدأت في الظهور والتبلور بدخول شركات مثل "Paramount" في عام (1912) أيضا، ثم كل من شركة "Walt Disney" و"Warner Brothers" في العام (1923) وبعدها بعام واحد ظهرت شركة "Columbia" التي تحمل اليوم اسم شبكة "CBS"، ثم شركة "20th Century Fox" التي ظهرت في عام (1935)[9].

كان نمط الدعاية المرتبط بظاهرة "Hollywood" ما أدى لاحقا لتزايد الإحساس بأهمية تقوية مؤسسات الإنتاج الإعلامي، وهو الإحساس الذي زاد حضوره بعد التأثير القوي لهذه المؤسسات والذي تسبب في انهيار القطب الدولي الغابر المعروف باسم الاتحاد السوفيتي بعدما اتجهت الولايات المتحدة لدعم شبكات البث التلفزيوني في غرب أوروبا، ما أدى لحلول ثقافة الهمبورجر والجينز والكولا محل أفكار البروليتاريا وصراع الطبقات وحرب الإمبريالية العالمية. كما أسهمت رؤى الغزو الفكري لدى التيار الإسلامي في تحفيز الاهتمام بهذه المساحة من أدوات القوة الناعمة.

ولم تلبث هذه الظاهرة، ظاهرة  "Hollywood"، أن تجاوزت الولايات المتحدة لتخرج إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأ العالم يعرف "المدينة الإعلامية المعولمة" التي تقوم على دور مؤسسات الإنتاج الثقافي في بناء شبكة علاقات عالمية عابرة للحدود والمحيطات، وبدأ تركز الشركات العابرة للقوميات في هذا المجال الصناعي الجديد يفرز تصنيفا لهذه العواصم الثقافية العالمية بين عواصم إعلامية من الدرجة الأولى تضمنت كل من نيويورك ولندن وباريس ولوس أنجلوس وميونيخ وبرلين وأمستردام، وهي فئة يقف تعريفها على وجود أكثر من 17 شركة عالمية متخصصة في الصناعة الثقافية، وتليها العواصم الثقافية من الدرجة الثانية، والتي تضم كل من كوبنهاجن ومدريد وهامبورج وستوكهولم وميلانو وأوسلو وسيدني وأثينا وتورنتو وبرشلونة وفرانكفورت وتورنتو وبرشلونة وفرانكفورت ثم بروكسل وزيوريخ ووارسو وبودابست، حيث لمعت الدولتان الأخيرتان بعد نهاية عقد التسعينات، أي بعدما يقارب عقدا من الانفصال عن الاتحاد السوفيتي، واعتبر تحويل هذه الدول لمراكز ثقافية غربية تحصينا لها الدول ضد احتمالية الانتكاس باتجاه "اليسار".

ولم يقتصر الأمر على أوروبا، وإنما تعداها باتجاه القارة الآسيوية التي شهدت تبلور عواصم ثقافية وإعلامية من الدرجة الثالثة، وفق معيار صناعة الرموز الثقافية، ومن العواصم التي تنتمي لهذه الشريحة الثالثة شيكاغو وسان فرانسيسكو وداسلدورف وبوسطن وسنغافورة وفيينا وطوكيو وهونج كونج وبراج ولشبونة وملبورن وبوينس أيرس وميكسيكو سيتي وهلسنكي وروما وساوباولو البرازيلية[10].

تجدر هنا الإشارة إلى أن هذه الإحصائية المجمعة التي رصدتها مراكز البحوث والتخطيط الأوروبية ترجع للعام 2003، ولم يحدث عليها تغييرات تذكر، ربما باستثناء صعود طوكيو لفئة المدن الإعلامية من الدرجة الأولى بمستوى إنفاق يلي نيويورك مباشرة، ويتفوق على لوس أنجلوس مضيفة مركز "هوليوود".

ولم تلبث مدينة مومباي الهندي أن انضمت لقائمة الفئة الثالثة بعد أن اعتمد قاموس أوكسفورد المصطلح "بوليوود" المصكوك بدمج كل من اسم مدينة مومباي القديمة (بومبيي) بالإضافة لمصطلح "هوليوود"[11].

لا يمكن الادعاء بوجود رابط تطور طبيعي بين هذه الظاهرة التاريخية وبين خروج ظاهرة "المدن الإعلامية" للنور، والتي تعد المنطقة العربية من روادها، حيث تعتبر ظاهرة "المدن الإعلامية" وسيلة لتجاوز تأثير فقر المؤسسات الإعلامية (إعلام الخليج)، وأحيانا فقر الدولة  نفسها (نموذج مصر - الأردن)، على عملية البحث عن موارد للقوة الناعمة مع وجود قيود عديدة على توظيفات القوة الخشنة بالمنطقة، إما بسبب دفق معاهدات السلام العربية - الإسرائيلية، أو بسبب الضعف الديموجرافي لدول الخليج صاحبة الوفورات المالية الضخمة التي تمكنها من حيازة ركيز القوة الناعمة الثقافية بيسر.

لكن الدول العربية لا تمثل ذيل القائمة في تاريخ انتشار ظاهرة "تركز الشركات الخادمة لعملية الإنتاج الثقافي"، بل إن الظاهرة تعيد تدوير نفسها عبر العالم، وفي دول الغرب نفسه، ومن بينها الولايات المتحدة نفسها، التي تمتلك 9 مدن تعد من مراكز الإنتاج الثقافي العالمية بدرجاتها المختلفة من نيويورك إلى شيكاغو على نحو ما بينا بالتفصيل.

ومن أبرز الدلائل على ظاهرة إعادة تدوير هذه الظاهرة أنه في ولاية تكساس على سبيل المثال، ظهرت منطقتا إنتاج إعلامي حصلتا على موافقة سلطات الولاية، كان آخرهما منطقة "Fort Worth" التي حصلت في أكتوبر/تشرين الأول 2018 على حقوق العمل كمنطقة تطوير إنتاجي إعلامي ذات طبيعة اقتصادية، أما المنطقة الأولى فكانت منطقة "Red Productions"[12].


أهم المدن الإعلامية عالميا

الحديث عن المدن الإعلامية حديث شائك، وذلك بسبب المسافة بين الفهم الدقيق للظاهرة والفهم الشائع لها، والذي يرتبط أحيانا بمفهوم المدن الإعلامية المعولمة مثل "هوليوود" في لوس أنجلوس" أو نيويورك أو حتى مومباي في الهند مضيفة "بوليوود".

كما أن هذا الفهم الشائع أحيانا ينصرف إلى كبار المجمعين، وهي الشركات التي تستغل فوائض أموالها في السيطرة على الشركات الإعلامية الناجحة، مثل "شركة ديزني" أو شركة "فياكوم"، لكن هذه الشركات وما تملكه لا ينطبق عليه توصيف المدينة الإعلامية كمصطلح علمي. ويمكن في هذا الإطار اللجوء لتناول رموز يمكن أن ينطبق عليها تعريف "المدن الإعلامية" بما تتضمنه من "تحيز جغرافي" وبنية تحتية نوعية.

أ. مدينة استديوهات والت ديزني: رغم أنه قد سلفت الإشارة إلى "مجموعة شركات ديزني" باعتبارها من الشركات المهتمة بشراء شركات صناعة المعاني والرموز الثقافية في الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لا يعني أنها لم تخض تجربة بناء المدن الإعلامية بالمعنى الاصطلاحي لمفهوم المدينة الإعلامية، وهي الخطوة التي قامت بها من خلال إحدى شركاتها في أكتوبر/تشرين الأول 1923، حيث أقدمت على تأسيس هذه الشركة في مدينة "Bur Bank" بولاية "كاليفورنيا"، وتضم هذه المدينة الآن عدة استديوهات، منها مجموعة استديوهات "Walt Disney Studios Motion Pictures" الخاصة بإنتاج الأفلام الدرامية، ومجموعة استديوهات "Walt Disney Animation Studios" الخاصة بإنتاج الرسوم المتحركة، و"Disney Music Group" التي تمثل ذراع الإنتاج الموسيقي الخاصة بشركة "ديزني". وتدير مجموعات الاستديوهات شركة "Walt Disney Pictures".

وبالإضافة لذلك، تملك الشركة شركة فرعية لإدارة المسارح، هي "Disney Theatrical Group". وخارج مقر "بوربانك"، قامت الشركة بشراء عدة شركات مثل "Pixar Animation Studios" للرسوم المتحركة و"Marvel Studios" التي تمتلك حقوق أفلام شخصيات الكوميكس البطولية، بالإضافة إلى شركات أخرى مثل "Lucasfilm" و"20th Century Studios" و"Searchlight Pictures" وكل شركة منها اكتسبت شهرتها من تخصصها في إنتاج نوعية معينة من الأفلام، ويشار إلى أن الشركتين الأخيرتين كانتا مملوكتين لشركة "فوكس".

ب. المدينة الإعلامية للمملكة المتحدة: أو MediaCityUK، وهي مدينة بنيت على مساحة 200 فدان قابلة للزيادة، قادت العمل في بنائها شبكة "بي بي سي" عندما قررت الاتجاه لنزع المركزية عن لندن لتخفيف الضغط على المدينة، ووقع اختيارها على مرفأ سالفورد، الذي كان أحد أهم الموانئ النهرية لمدينة مانشستر الكبرى.

ومن ثم بدأت شركة "بيل ميديا" أعمال الإنشاءات عبر ذراع للإنشاءات والمقاولات المملوكة لـ"مجموعة بيل"، والتي تعد من أكبر شركات المقاولات في المملكة المتحدة، وحصلت الشركة على مساندة من الحكومة البريطانية.

وفي 2013، انتقلت "بي بي سي" للمنطقة الجديدة كمستأجر، وتزامن مع انتقالها كذلك انتقال جامعة سالفورد، ويعد الطرفان من أهم المستأجرين في المدينة، إلى جانب مستأجرين آخرين أبرزهم شركة "إن إي بي كونكت" المتخصصة في اتصالات الأقمار الصناعية، و"آي تي في جرينادا"، و"Antix Productions" المتخصصة في الإنتاج التلفزيوني، و"دوك 10" المتخصصة في مجال الاستديوهات وخدمات ما بعد الإنتاج الرقمي، بالإضافة إلى 40 شركة متخصصة في مجال الخدمات المختلفة المتعلقة بالإنتاج الإعلامي"، أو متخصصة في مجال الأعمال الإيداعية الرقمية، مثل الإنتاج الموسيقي أو إنتاج الجرافيك، بالإضافة إلى فندق "هوليدي إن".

ولا يمكن في هذا الإطار تجاهل تحول مقر "بي بي سي" القديم إلى مدينة إعلامية محدودة تحمل اسم "White City"، لكنها ما زالت مركز بالغ المحدودية مقارنة بالمراكز الإعلامية المجمعة المتخصصة.

ج. مدينة الإعلام الرقمي الكورية: أو Digital media City المعروفة اختصارا باسم DMC، تعد هذه الشركة من أبرز المدن الإعلامية في آسيا، تأسست في العام 2006 على مساحة 570 ألف متر مربع كانت في الأصل أكبر مكب نفايات في كوريا الجنوبية.

وتتخصص هذه الشركة في الصناعات الثقافية، سواء منها ما اتصل بصناعات البث والأفلام والإنتاج الدرامي والموسيقي والتعليم الإلكتروني وما يرتبط بهذه المجالات من صناعات فرعية.

ونتيجة للبنية التحتية التقنية العالية لهذه المدينة، يتواجد بها مقار لكبرى شركات التقنية مثل "إل جي تيليكوم" و"إل جي سي إن إس" و"بانتيك"، بالإضافة لأنواع مختلفة من المعارض العامة، من بينها "المكتبة الأرشيفية للفيلم الكوري" و"متحف الدراما الكورية".

وأطلقت دراسات كورية واجنبية على قاطني هذه المدينة اسم "Denizens"، وهو مصطلح منحوت من الكلمتين "Digital Citizen"، في إشارة لحالة الولع التي يتسم بها المقيمين العاملين في هذه المدينة بكل ما يمس التقدم التقني بشقيه المادي "Hardware" والتطبيقي "Software".


أهم المدن الإعلامية عربيا

  • مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية: الريادة الإقليمية فيما يتعلق بالمدن الإعلامية تتمثل في "مدينة الإنتاج الإعلامي" المصرية، ويمثل غطاءها القانوني شركة مساهمة تحمل اسم "الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي"، التي تأسست في 1989 عبر اكتتاب مزدوج عام/ خاص، حيث طرح نحو 20.2% من أسهمها للاكتتاب العام، فيما غطى غالبية رأسمالها اكتتاب خاص بين "اتحاد الإذاعة والتليفزيون" 43%، و"بنك الاستثمار القومي" 17.8%، و"البنك الأهلي المصري" 4.8%، و"الشركة المصرية للمشروعات الاستثمارية" 4.4%، و"بنك مصر" 4.3%، و"شركة مصر للتأمين" 3%، و"شركة مصر لتأمينات الحياة" 2.6%.

المدينة المقامة على حوالي 3 مليون متر مربع، بدأت أعمال الإنشاء فيها في 1992، وافتتحت في 11 يناير/كانون الثاني 1997، وصدر قرار تخصيصها كمنطقة حرة في 24 فبراير/شباط 2000، وتتكون من عدة قطاعات، تتمثل في "مجمع مبارك العالمي للاستديوهات"، و"مناطق التصوير المفتوح"، و"المنطقة الترفيهية: ماجيك لاند"، و"مجمع الخدمات"، و"مجمع المسارح ودور العرض السينمائي"، و"مركز المؤتمرات"، و"فندق موفنبيك"، و"المركز التجاري"، و"بانوراما الفن المصري".

ورغم أن تأسيس الفكرة جاء على خلفية توفير مدينة ذات مستوى بنية تحتية داعم للعمل الإعلامي، إلا أن أحد أهم أهداف التأسيس جاء لحصر نشاط البث الإعلامي في داخلها، سواء لضبط حقوق الملكية الفكرية، أو لضبط المساحة الإعلامية نفسها وإبقائها قيد السيطرة، وهو ما تبلور مع صدور القانون رقم 180 لسنة 2018 والخاص بتنظيم الإعلام والصحافة، والذي يحظر البث الإعلامي من خارج المدينة[13].

  • المدن الإعلامية الأردنية: تأسست المدينة الإعلامية الأردنية في العام 2001، كشركة خاصة بعد اتفاقية بين حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وشركة دلة للإنتاج الإعلامي، برأسمال قدره 10 ملايين دينار أردني (15 مليون دولار). وتقوم القناة ببث نحو 120 قناة تلفزيونية، غالبيتها قنوات غير أردنية[14].

وتوجد بالأردن - كذلك - مدينة إعلامية حرة خاصة هي "المدينة الإعلامية الأردنية - السعودية" التي تحمل الاختصار " جاسكو"، تأسست عام 2008. غرضها الاستثمار في مجال الإعلام، من خلال منظومة البرامج التي تشرف على بثها أو إنتاجها، واتخذت من الأردن مقرّاً لها.

وتملك هذه الشركة استوديوهات للتصوير المسجل والمباشر، واستوديوهات للصوت، واستوديوهات لمعالجة الصوت والدوبلاج، ووحدات للمونتاج والإخراج، ووحدات لمعالجة الجرافيك، ووحدات للتصوير الميداني، بالإضافة لوحدات البحث والإعداد.

وتباشر هذه الشركة - برغم محدودية مستواها مقارنة بالمدن الإعلامية الكبرى - بأنشطة حجز الأقمار الصناعية، وخدمة البث الفضائي، وإدارة وتنظيم ما يتعلق بخدمات الرسائل، ومتابعة تسجيل وترخيص القنوات الفضائية[15].

  • المدن الإعلامية الإماراتية: برغم الريادة المصرية عربيا، تعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي تعاطت مع ظاهرة المدن الإعلامية الحرة. ويبلغ عدد المدن الإعلامية المتواجدة في دولة الإمارات العربية المتحدة بمفردها 4 مدن، أولها "هيئة المنطقة الإعلامية، والتي تعرف باسم "مدينة تو فور ففتي فور Twofour54"، ومقرها إمارة أبو ظبي، وقد تأسست بموجب القانون رقم 12 لعام 2007.

المدينة الثانية في الإمارات تحمل اسم "المنطقة الحرة للإعلام وتكنولوجيا المعلومات"، وتعرف اختصارا باسم "تيكوم Tecom"، ومقرها إمارة دبي، وقد صدر مرسوم تأسيس هذه المنطقة في 31 يناير/كانون الثاني من عام 2004.

وتبلغ تكلفة إنشاء مدينة الإنترنت وحدها في هذه المدينة 400 مليون دولار[16]. وأما ثالث مدن الإمارات الإعلامية، فهي "مدينة رأس الخيمة الإعلامية"، وأنشأت في عام 2006.

أما المدينة الرابعة فهي "مدينة الفجيرة الإعلامية"، وتسمى إعلاميا باسم "مدينة الإبداع"، وتأسست في عام 2005[17] برأس مال للمرحلة الأولى بلغ 50 مليون دولار[18]. وتتعامل بعض الدراسات مع " مدينة استوديوهات دبى" باعتبارها مدينة إعلامية منفصلة[19]، لكنها تعد قانونا إحدى القطاعات الفرعية ضمن "المنطقة الحرة للإعلام وتكنولوجيا المعلومات"[20].

  • مدينة غزة الإعلامية: وفي 2017، افتتحت سلطات قطاع غزة مدينة إعلامية بالقطاع، تأسست على أرض مستوطنة يهودية بائدة (مستوطنة غوش قطيف)، تتضمن بصورة خاصة مجسمات لأزقة البلدة القديمة بالقدس المحتلة، وتحديداً في منطقة باب السلسلة الملاصق للمسجد الأقصى المبارك، حيث تحاكي كل مكونات المدينة التصميم المعماري القديم للمدينة المقدسة، فيما تحتوي على منازل ومحال صغيرة ومقاهٍ قديمة، تحمل الطابع الحضاري والتاريخ للقدس، وهو ما يجعل السمة الأساسية المميزة لهذه المدينة هي الاستديوهات، إلى جانب شركات الخدمات التقليدية لمرحلة العملية الإنتاجية وما بعدها، مضافا إليها خدمات التصوير والإخراج بالوكالة؛ بالنظر لصعوبات الحصول على تصاريح السفر للقطاع. وقد استغرق العمل على إنشاء تصاميم مدينة الإنتاج الإعلامي 4 أشهر[21].
  • المدن الإعلامية العربية المرتقبة: قبل 10 سنوات، نشرت "مجموعة المرشدين العرب - Arab Advisors Group" تقريرا يفيد بأن هناك نوايا في دول عربية عدة لاقتحام مجال المدن الإعلامية الحرة، وأفاد التقرير أن هذه النوايا تتوفر لدى دول مثل السعودية وقطر والكويت والبحرين ولبنان والسودان[22]، غير أن هذه الدول لم تشهد خطوة إيجابية في الطريق، باستثناء قطر والسعودية.

افتتحت السعودية مسيرة تراكم الخبرة في هذا الصدد بالمساهمة في تأسيس الشركة الخاصة التي أنشات بين رجال أعمال سعوديين وأردنيين على الأراضي الأردنية، والتي أسلفنا الإشارة إليها فيما سبق.

وفي العامين الاخيرين بدأت الأخبار تترى في اتجاه اعتزام المملكة تأسيس مدينة إعلامية سعودية[23]، كان الحديث في البداية عن إقامتها في القطيف، لكن في النهاية وقع الاختيار على حي السفارات غرب العاصمة الرياض ليكون موقعا لها.

وفي 4 فبراير/شباط 2020، وقع رئيس مجلس إدارة مشروع "المدينة الإعلامية"، الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، 3 اتفاقيات ومذكرة تفاهم في المجالات الثقافية والإعلامية والتقنية في مشروع "المدينة الإعلامية".

وفي 10 فبراير/شباط 2020، نقلت صحيفة الشرق الأوسط السعودية عن الدكتور فهد بن مشيط، الرئيس التنفيذي للمدينة الإعلامية قوله: "المعايير الدولية لمساحات المدن الإعلامية تتراوح بين 300 ألف متر مربع و800 ألف متر مربع، واختيار المساحة يأتي وفقاً للإستراتيجية الإعلامية، حيث إن بعض الدول تبني مدناً إعلامية بمساحات أقل، وإنه بناء على إستراتيجية الهيئة والمجالات التي ستدخل بها، يتم تحديد حجم المساحة الطبيعي الذي يساندها كبنية تحتية أو مبانٍ أو مكاتب، وتحدد حجم السكان المستهدف والعاملين في هذه المدينة الإعلامية.

وأضاف: "نملك مساحات شاسعة في الحي الدبلوماسي، ومستعدين لتخصيص جزء كبير منها حسب الاحتياج، حتى مليون متر مربع"، حيث يبلغ حجم حي السفارات 8 كيلومترات. وعن موقع المدينة التي ستكون في منطقة قريبة من وادي حنيفة، قال إنها ترتبط بتاريخ السعودية، وستحافظ على الإرث والتراث والقيم والعادات، حتى في الطراز المعماري.

وتنظر الأوساط الإعلامية السعودية لهذه المنصة باعتبارها مدخلا لإدارة مشروع إطلاق القمر الصناعي السعودي، وستكون مهمتها تشغيل القنوات الفضائية محلياً، بدلاً من التشغيل الخارجي في مصر ودبي والأماكن المختلفة[24].

أما قطر، فاتخذت بالفعل قرارا بالشروع في تنفيذ هذا المشروع في عام 2017. وتأتي الخطوة القطرية ضمن خطة متكاملة تمثلت في إنشاء هيئة المناطق الحرة، والشروع في إصلاح قوانين العمل، مع وجود توجه لإطلاق حرية التعبير داخل المدينة الحرة[25].


أنماط الملكية وعلاقتها بالدولة

وفيما يتعلق بسمات المدن الإعلامية العربية، يمكن القول بأن هناك تباينا طفيفا فيما يتعلق بسمات هذه المدن. ونتناول هذه السمات على صعيد الملكية ومنهج علاقة الدولة بهذه المدن.

فمن جهة الملكية، فإن الدول الثلاثة الأولى تختلف في شكل ملكية المنطقة الحرة المرتبطة بالمدن الإعلامية، ففي حين أن المدن الإعلامية في الإمارات تمثل ملكية مباشرة للدولة، فإن شكل المنطقة الحرة الخاصة بمدينة الإنتاج الإعلامي في مصر قد أخذت طابع الشراكة الأهلية - الحكومية، حيث تقدم المدينتان المصرية والحكومية تسهيلات واسعة فيما يتعلق بالأراضي والخدمات للشركات الإعلامية.

أما المنطقة الإعلامية الحرة في الأردن فأنشاها القطاع الخاص، ويقدم في إطارها خدمات إعلامية في مقابل إيجار محدد[26].

وفيما يتعلق بعلاقة هذه المدن بالدولة المضيفة، فإن الباحثين لاحظوا أن شكل الملكية المختلف في الدول الثلاثة لم يؤد لوجود خلاف واضح بين هذه الدول من جهة طبيعة عمل المدينة، حيث تقر الدول الثلاثة بتمتع هذه المدن الإعلامية بدرجة واضحة من الحرية والاستقلال بعيدا عن الدولة وسلطتها، سواء في التوجهات أو الخطاب الإعلامي.

ومن حيث القانون الخاص بالمناطق الحرة، فإن هذه المدن الثلاثة لا تخضع للدولة إلا فيما يتعلق بحيز وجودها، لكنها على الصعيد القانوني معزولة تماما عن الدولة، ولا تخضع إلا لسلطة إدارية من الجهة المنظمة للعمل في داخل المدن الحرة، حيث تحكمها اللوائح والقوانين المحددة سلفا بموجب نظام الدولة وطبيعة التعاقد بين الشركات والدولة.

غير أن مدى الحرية، والذي كان موضع سجال عربي طيلة الفترة التي صاحبت عملية تأسيس غالبية هذه المدن الإعلامية تراوح ما بين إقرار نسبي بوجود "قدر واسع نسبيا من الحرية" داخل المناطق الحرة، وإن لم تكن حرية مطلقة - كما يرى الخبير صالح عبدالله كامل، فيما يرى إعلاميون ليبراليون أن التركيز الدعائي على تمتع هذه المدن بالحرية فيه إشارة لغياب الحرية عن بقية الأوطان، وأن هذا الوضع يرتبط بمحاولة حصار الحرية الإعلامية في زاوية من زوايا البلدان العربية تحمل اسم "المناطق الحرة". لكن على أية حال، فإن في إقرار وضع المناطق الحرة للمدن الإعلامية هو إقرار بأن الحرية شرط لوجود عمل إعلامي مبدع، وتبقى حركة رؤوس الأموال هي المعيار في تدشين التيارات الضخمة من التأثير.

وفي هذا الإطار، يشير أحد الأبحاث التي أجراها المجلس الوطني بالإمارات إلى أنه بإمكان المستثمرين الراغبين في العمل بالمدن الإعلامية الإماراتية التقدم بطلب تسجيل شركة منطقة حرة، ويشير البحث إلى أن الشركات في المنطقة الحرة لا تخضع لبنود قانون الشركات التجارية الإماراتية إلا في حال حصولها على الجنسية الإماراتية. وفي هذا مؤشر على تأثير الجنسية على درجة الحرية التي تتمتع بها الشركة العاملة في المدن الإعلامية الإماراتية[27].


التأثير والنتائج للمدن الإعلامية في البيئة العربية

أ. التأثير الاقتصادي والاجتماعي للمدن الإعلامية: التعريف الذي أوردناه في مقدمة هذه الورقة ينظر إلى مفهوم المدن الإعلامية باعتبارها وظيفة اجتماعية (أي تهدف لفرض نمط حياة بغرض الهيمنة ثقافيا)، بالإضافة لتضمينه بعدا اقتصاديا للمفهوم بالنظر لكون قطاع الإعلام - وفق وجهة النظر هذه - قطاعا إنتاجيا اقتصاديا له مؤسساته الخاصة، وله نمط تقسيم العمل الخاص به، وله عدة حقول معرفية بين حقول العلوم الإنسانية يدرس في كل الجامعات العالمية والإقليمية حتى المحلية، بدءا من الدراسات الإعلامية وحتى الدراسات المسرحية مرورا بالدراسات السينمائية، وجميعها تتضمن مقررات ذات طبيعة إدارية واقتصادية.

ويمكن النظر للبعد الاقتصادي الخاص بالمدن الإعلامية على مستويين، أولهما البعد الخاص باتجاه اقتصاد الدولة. ففي دول الخليج على سبيل المثال، يبدو مفهوم "ما بعد النفط" مفهوم يمثل هاجسا للدول الخليجية، التي تبذل جهودا قوية لتنويع بنية اقتصادها.

وتتفاوت الدول الخليجية في النظر لأهمية "صناعة الثقافة" كمصدر للدخل القومي، فبينما تعثرت فكرة المدن الإعلامية في الكويت والسعودية والبحرين لنحو عقدين، وتأخرت في قطر نتيجة حالة الاكتفاء بالريادة في مجال الإعلام الإخباري الذي تقوده شبكة قنوات الجزيرة برعاتها ومؤسساتها، فإن دولة مثل الإمارات استلهمت مفهوم العواصم الثقافية المعولمة، وحملت إمارة دبي هذا المشروع منذ العام 2003، وتبعتها في ذلك إمارات ثلاثة بدءا بالفجيرة وانتهاء بأبو ظبي مرورا برأس الخيمة.

أما بالنسبة لمصر، فإن تحليل خطاب الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي يكشف عن رغبة الدولة في إيجاد مصادر دخل إضافية، وبخاصة من العملة الأجنبية، وزيادة مساحة فرص العمل أمام أصحاب التخصص في هذا الحقل المعرفي الإعلامي، حيث يؤكد محور "رؤيتنا" في رسالة الشركة أن الرؤية تتمثل في "تقديم الخدمات الإنتاجية بأسعار معتدلة، الأمر الذى يهدف لتحقيق ربح للمدينة وازدهار للاقتصاد المصري"[28]. ولا تختلف الرؤية الاقتصادية - الاجتماعية في الإمارات عن مصر، وإن كانت درجة حدتها أقل بكثير.

وللتعرف على حجم التأثير الاقتصادي الاجتماعي لهذا القطاع في الإمارات، أعلنت إمارة دبي أن "مدينة دبي للإنترنت"، وهي تمثل قطاعا واحدا من بين القطاعات الثمانية في "مدينة دبي للإعلام"، يعمل بهذا القطاع وحده 1600 شركة، توظف ما يقرب من 24 ألف متخصص في هذه المساحة التخصصية[29]، هذا بالإضافة للبعد التنموي المرتبط بالأداء في هذا القطاع وحده من تدريب وخلافه.

ويرتبط بالعائد الاقتصادي المتعلق بتركز موارد وأدوات القوة الناعمة اقتصاديا اتجاه المدن التي تراكم أدوات القوة الإعلامية في عملية تسويق منتجاتها الثقافية، وهو ما يؤدي لبروز أدوات وأنماط تسويق وتوزيع جديدة، لعل أبرزها ما نشاهده في العالم العربي من منافسة محمومة بين مجموعات "BEIN" و"GoBox" في منافساتهما مع "OSN" و"SHOW TIME" من جهة، و"NetFlix" و"WatchiT" و"شاهد".

مجموعة الخدمات التوزيعية هذه تختلف في طريقة عملها، فبعضها يعتمد على البث الفضائي من خلال "جهاز استقبال - Reciever" وبعضها يعمل على الإنترنت فائق السرعة الذي يجري تجهيز البنية التحتية له في غالبية دول العالم العربي.

المنافسة بين هذين التوجهين ربما تكون محسومة في الأجل القريب لصالح شبكات البث الفضائي وأجهزة استقبالها التي لا تتطلب بنية تحتية قوية واسعة الانتشار كما هو الحال بالنسبة لاحتياجات الإنترنت فائق السرعة، ما أدى لاتساع سوقها في غالبية دول العالم العربي، لكن مستقبل الإنترنت فائق السرعة، ومعدل إحلال كابلات الفايبر محل الكابلات النحاسية التقليدية من شأنه أن يوازن الكفة قليلا بين أدوات التوزيع عبر البث الفضائي وأدوات التوزيع عبر الإنترنت، وهو أمر سيحكمه في المستقبل كذلك أسعار أجهزة الاستقبال، والمنافسة في أسعار الاشتراكات، ومدى الإنفاق على الحملات الدعائية، والقدرة على مواجهة أعمال القرصنة.

هذا على الصعيد الاقتصادي. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الخبراء ينظرون للصناعة الثقافية الراهنة على أنه يمكن النظر إليها باعتبارها "حركة ريادية" تماثل في تأثيرها الثورة الاجتماعية التي صاحبت الثورة الصناعية الأولى، حيث تؤسس لأنماط اجتماعية واقتصادية من التنظيم، وذلك بسبب ما تفرضه من عمليات مؤسسية مرتبطة بعملية إنتاج الذهني والإبداعي، كما تؤسس لنمط من التخصص وتنظيم العمل، وفق علاقات عمل مرنة، وعمليات التسويق البينية التي تجري في الأجل القصير لمنتجات متزامنة. كل هذه الصيغ المؤسسية ستطبق في قطاعات مختلفة من العمل الاجتماعي في المستقبل.

مثل هذه الأنماط سبق ملاحظة تشكلها في الصناعات التقنية الرفيعة، والتي على نسق الاقتصاد الثقافي ترتبط بسياق منافسة قوية من الإنتاج الثقافي الذي يتوجه لأسواق متقلبة محفوفة بالمخاطر وحالة عدم اليقين.

وعندما ننقل هذا الحديث لحيز الجغرافيا، فإن نظم العمل المرتبطة بالمدن الإعلامية تؤدي لإنتاج أنماط تنظيمية مستقبلية من العمل تؤدي لتشكيل فئة حضرية جديدة تصل لمدى أبعد في تأثيرها من الأنماط الحضرية المرتبطة بسائر مكونات الصناعة الثقافية كالطباعة ودور النشر.

فمن نتائج هذه الأنماط التنظيمية أنها تؤدي إلى  تكوين شرائح اجتماعية متخصصة في الإنتاج الثقافي، خاصة في المدن الكبرى والعواصم، وتشارك هذه الشرائح في الحصول على كعكة كبيرة من اقتصاد المنطقة التي تتركز فيها، وتتميز علاقاتها الداخلية وعبر القومية، وحتى الوظيفية بدرجة عالية من القوة والمكانة المرتبطة بنصيبها الاقتصادي.

هذا التركز للصناعة الثقافية في عدد محدد من المدن الكبرى والعواصم، وهو التركز الذي عبر عن نفسه سابقا في نماذج المدن المعولمة، هو أحد نتائج هذا التوجه الجديد لتنظيم هذه الصناعة المركزة جغرافيا.

أنماط التمركز في أفرع مختلفة من الاقتصاد الثقافي وصناعة الإعلام، والتي تأسست منذ الثمانينات في مدن عالمية مختارة مثل لوس أنجلوس ولندن ينظر إليها باعتبارها نماذج إمبراطورية دعمت نظرية ميل هذا النمط الاقتصادي لتشكيل تكتلات من الشركات المتخصصة. وتقدم نماذج مثل باريس ونيويورك دعما ملموسا لهذه الرؤية كذلك.

وأدى تركز هذه الشركات لتوفير تركزات عالية جغرافيا من الشرائح الاجتماعية المتخصصة في الإنتاج الثقافي وعملياته التكاملية، كما أن تعبير الشرائح الاجتماعية هنا يعبر عن تركزات جغرافية قائمة على نمط مختلف من تقسيم العمل الذي يشكل في النهاية منتجات ثقافية محددة، ما يؤدي لعلاقات عمل مكثفة ونوعية بين اللاعبين المنتمين لهذه الشرائح، وهذه العلاقات تؤسس بدورها لنمط علاقات عبر قومية بين اللاعبين المتخصصين في هذه الصناعة، ما يؤسس لنمط تنافس جديد في المناطق التي تشهد هذا التركز. لكن هذه التفاعلات من شأنها أن تدعم عملية التنمية الحضرية على أي حال.

الملمح الثاني الأكثر أهمية في هذا الصدد، هو عولمة عدد كبير من المشروعات، ما يعزز توجه هذه الشركات نحو دعم الروابط بين المتخصصين في هذه الصناعة الثقافية عبر مكاتبهم أو شركائهم الجانبيين من مزودي الخدمات.

هذه الروابط العابرة للقومية بين هذه الشرائح كانت في الثمانينات تقع في قلب نظام بازغ من المدن المعولمة. وأدت عولمة المنتجات الثقافية وصناعة الإعلام إلى تكوين نظام شبكي معولم من المدن الإعلامية، وهو ما يجعلنا أمام نموذج إقليمي اقتصادي جزئي لكنه ينشئ علاقات اعتماد بين الأطراف الإقليمية والمراكز التي تشهد تركز أدوات صناعة الثقافة[30].

ب. التأثير التقني للمدن الإعلامية: يمثل قطاع المدن الإعلامية مصدرا أساسيا للتطور التقني من زاويتين، أولاهما أن الارتباطات المشار إليها بين المراكز المتخصصة والمراكز العالمية تؤدي إلى استمرار تطوير البنية التحتية في هذه المناطق، وبخاصة مع توفر إرادة سياسية وقدرة تمويلية وعائد على التمويل، سواء منها العائد المباشر الذي تحققه هذه المدن وشركاتها الأم، أو العائد غير المباشر الناجم عن ارتفاع معدل التوظيف المقرون بمعدل غير مبالغ فيه للوظائف على الدخل، ما يجعل المدن الإعلامية مدفوعة باستمرار لتطوير بنيتها التحتية.

ومن جهة أخرى، فإن اتجاه بعض الدول لتجميع المواهب والطاقات المبدعة فيما يتعلق بمجال المدن الإعلامية، وهي ظاهرة ذائعة الانتشار في الإمارات، وتفاخر في إطارها الدولة الخليجية بأنها تجمع مهارات من نحو 160 عبر الكوكب، هذا الأمر من شأنه أن يعزز الطلب على التقنية المتطورة والمتجددة بفعل الإنفاق العالمي على التقنية، وبفعل السباق التقني السائد في عالم اليوم بين الولايات المتحدة والصين من جهة وبين أوروبا والصين من جهة ثانية وإن كان بدرجة أقل.

من جهة ثالثة، فإن نشاط التدريب الذي تباشره هذه "المدن الإعلامية" من شأنه ليس فقط أن يرفع منسوب المهارة والكفاءة فيما يتعلق بإدارة ملف المدن الإعلامية، بل من شأنه أيضا أن يرفع الوعي التقني، ويزيد الطلب على التقنية بشقيها المادي والتطبيقي.

يضاف لهذا أن نسبة الطلاب الذين يدرسون بالخارج، سواء بالانتقال للبيئات الغربية والصينية المشبعة بالتطور التقني، أو يدرسون عبر المراسلة، وهي نسبة كبيرة وليست هينة، وتفوق في حجمها مقدار الطلب على الدراسة في الجامعات الإقليمية، بما في ذلك الطلبة المصريون، وهو ما يزيد في تنافسية اليد العاملة في مصر ودول الخليج، كما يسهم في زيادة الطلب على التقنية العالية، ما يسهل أن تستجيب له دول الوفرة النفطية، في حين يصعب تصور وجود استجابة مصرية بنفس القوة.

ج. التأثير السياسي للمدن الإعلامية: من المهم في هذا الإطار التيقن من قاعدة راسخة، ألا وهي أن الدول تحوز ركائز القوة وتطبيقاتها لكي تستخدمها. ومن القواعد المكملة لهذه القوة أن وسائل القوة الناعمة أكثر قابلية للتوظيف والاستمرار من ركائز القوة الصلبة وأدواتها.

وفي هذا الإطار، من المنطقي أن نشهد مواجهات "قوة ناعمة" بين الدول التي تحوز موارد القوة هذه وبين غيرها من الدول التي تفتقر لهذه الأدوات، أو أنها تملكها مع مواهب أقل في إدارتها وتوظيفها التوظيف الأمثل.

وفي هذا الإطار، كان طبيعيا أن نشهد مواجهات حملت في تطبيقها مصطلح "اللجان الإلكترونية" علميا و"الذباب الإلكتروني" إعلاميا، وهي في النهاية صورة من صور توظيف القوة التقنية، حتى وإن كانت صورة غير سوية، لكنها في النهاية استمرار بشكل متطور نوعيا لسياسة التشهير والوكالة الإعلامية الذين اعتادت الدول العربية أن تمارسهما من خلال وكلاء إعلاميين غير محسوبين عليها، عبر تمويل صحفهم ومواقعهم من وراء ستار.

من جهة أخرى، فإن مصطلح الثقافة المستخدم في التعريف بقطاع من وظائف المدن الإعلامية يستخدم في اتجاهين مرتبطين غير متنافرين، أولهما يشير للثقافة كمفهوم اجتماعي يعني نسق القيم ووجهات النظر المجتمعية والتوافقات والقواعد وأنماط الحياة والممارسات لجماعات من البشر، والمفهوم الثاني يشير لمحتوى عملية إنتاجية لا ترتبط بالبضائع المادية بقدر ما ترتبط بالمنتجات الذهنية والفنية والرمزية التي تمثل تعبيرا عن تصور للحياة الاجتماعية.

هذا التعريف - من وجهة نظر علماء الاجتماع والسياسة - يعتبر "وظيفيا"، لأنه يوفر أساسا موضوعيا لفهم عملية إطلاق اصطلاحات من قبيل "السلع الثقافية" و"صناعة الثقافة" و"الاقتصاد الثقافي". لكن تناول هذه المصطلحات في إطار التعاطي مع مفهوم "المدن الإعلامية" يركز على الأنشطة الاجتماعية المتعلقة بالعمل الإبداعي الذي يستهدف التأثير على الوجدان، وإنتاج أدوات اتصال تقوم على الصور والمعاني الرمزية[31].

وفي هذا الإطار - أيضا - من الطبيعي أن نشاهد توظيفات القوة على صعيد عمليات إنتاج الأعمال الدرامية في إطار صراعي، وبروز مصطلحات من قبيل "حروب الدراما" كما عبر عنها الأكاديمي المتخصص في علوم الإعلام "ياسر عبد العزيز"[32]، الذي تحدث عن خدمة أدوات القوة الناعمة في الترويج للمشروعات الإقليمية، منحازا ضد القوة الناعمة التركية، ومستخدما مصطلحا يتوافق مع ميول النخبة الحاكمة ذات الأصول العسكرية في مصر، وهو مصطلح "الحرب". هذا التوجه بخصوص "حروب الدراما" من المتوقع أن يتزايد في المستقبل مع استمرار تراكم وتركز القوة الناعمة بين طرفي الإقليم.

غير أن التحليل الاجتماعي الجغرافي لظاهرة قوة العمل المرتبطة بهذا النظام الجديد لتقسيم العمل من شأنها أن تنتج واقع هيمنة جديد، لكنه إقليمي هذه المرة. وكما تحدث الخبراء الأوربيون عن تأثير القدرات الإعلامية على العواصم الغربية الكبرى من حيث تحويلها لأنماط مدن معولمة، ذات نموذج يفرض نفسه كقدوة سياسية، وهو ما أدى عمليا لانهيار قيمة النفوذ السوفيتي في المجتمعات الأوروبية الشرقية، هذا النموذج مرشح للتكرار في المنطقة العربية، حيث من المرجح أن يؤدي تركز موارد القوة الناعمة في الخليج العربي، وانحسار تراكمها في دول القلب، وعلى رأسها مصر، هذا الأمر من شأنه أن يعمق ما بدأ يتبلور بعد الانقلاب العسكري في مصر من حالة "وكالة" تباشرها السلطة المصرية لصالح الدول الخليجية، بعد أن كانت مصر وكيلا عن الدول العظمى، وهو ما بدأت تجلياته تتبدى اقتصاديا وعسكريا في مصر.

لكن ما هو غير واضح، ما إذا كان التركز الوظيفي للتقسيم الجديد للعمل من شأنه أن يفرض واقعا سياسيا محليا انفتاحيا في داخل الدول التي تشهد تركزا لأدوات القوة الناعمة ومراكمة لها، ولا يمكن تصور أن تؤدي الارتباطات عبر القومية التي تقوم بها هذه الشرائح إلي تكوين حالة تقدمية سياسية في دول الخليج.

بل المتوقع هو العكس من وجهة نظر الباحث، حيث أن مجال نفوذ القوة الإعلامية المتركزة في دول الخليج سيجعل دول العالم العربي خاضعة لسطوة القوة الناعمة الخليجية، ولن يكون موجها للآخر الغربي الذي لا يمثل بالنسبة للدول الخليجية أكثر من كونه عميلا يستفيد مما توفره دول الخليج، خاصة الإمارات، من بنية تحتية وتجهيزات تؤدي لتسهيل عملية إنتاج الأعمال الإعلامية والثقافية.


المدن الإعلامية نظرة استشرافية

كما سبق وأشرنا، فإن الدول العربية لا تمثل ذيل القائمة في تاريخ انتشار ظاهرة تركز الشركات الخادمة لعملية الإنتاج الثقافي، خاصة ظاهرة "المدن الإعلامية". وتلعب المفاهيم السياسية الآخذة في الانتشار على صعيد السياسة الدولية مثل مفهومي "القوة الناعمة" و"القوة الذكية"، ومفاهيم الاقتصاد السياسي للبطالة التي تضغط على الاتجاهات اليمينية واليسارية الراديكالية لتعزيز عملية توظيف الموارد البشرية المعطلة، وهي التيارات التي أدت نقمتها إلى أحداث تاريخية كبرى، منها وصول الشعبويين لرئاسة الولايات المتحدة، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو تأثير لن يقف عند هذا الحد.

هذه الظواهر والمفاهيم تضغط باتجاه تعزيز الاتجاه نحو تنامي ظاهرة المدن الإعلامية ضمن حزمة آليات ضغط وتوظيف واسعة، تحاول أن تلتف على ما يترقبه العالم من أزمة اقتصادية. كما يبدو أن اتجاه العواصم العالمية لتعزيز الاقتصاد الأخضر لديها سيؤدي لتعزيز اتجاهها نحو قطاع الخدمات، ومن بينها قطاع اقتصاد الثقافة.

وفي هذا الإطار، نشهد اتجاه ظاهرة "المدن الإعلامية" نحو إعادة تدوير نفسها في دول الغرب نفسه، ومن بينها الولايات المتحدة نفسها، والتي تعد 9 من مدنها من أكبر مراكز الإنتاج الثقافي العالمية بدرجاتها المختلفة من نيويورك إلى شيكاغو على نحو ما بينا بالتفصيل.

ففي ولاية تكساس على سبيل المثال، ظهرت منطقتا إنتاج إعلامي حصلتا على موافقة سلطات الولاية، كان آخرهما منطقة "Fort Worth" التي حصلت في أكتوبر/تشرين الأول 2018 على حقوق العمل كمنطقة تطوير إنتاجي إعلامي ذات طبيعة اقتصادية، أما المنطقة الأخرى فهي منطقة "Red Productions"[33].

وكانت ولاية تكساس قد أصدرت "قانون تنظيم مناطق الإنتاج الإعلامي" أو "The Media Production Development Zone Act" في عام 2009، لتعميق اهتمام الولاية بهذا المجال، ما يؤدي لخلق فرص عمل، ويعزز القوة الناعمة للولاية[34].


خاتمة

من أبرز ملامح الفترة المقبلة تلك التي أسماها خبراء بـ"حروب الدراما" التي تستهدف نمط الوعي ووجهة الثقافة الفردية للمواطن العربي. ومع وهن الحالة الإعلامية العربية وانحياز مصادر القوة الناعمة لصالح طرف عربي دون آخر، فإن حروب الدراما في المنطقة العربية تتجه وجهات ثلاثة، أولاها تتمثل في تكريس مفهوم الشرعية في الجانب الذي تسانده أدوات القوة الناعمة، أما الوجهة الثانية فتتمثل في إخضاع الكعكات الاقتصادية الشهية مثل مصر وليبيا والجزائر، وإلى حد ما العراق، وتأهيلها لتكون وجبة الخليج ما بعد النفط.

أما الوجهة الثالثة فتتمثل في صناعة صورة جديدة لعدو العالم العربي، ونزع تل أبيب والقوى الاقتصادية الدولية، والتركيز على إلصاق هذه الصفة بكل دول المحور المعادي لمحور القوة الناعمة الجديدة.

إن تأثيرات ركام القوة في هذا الصدد ليس تأسيسيا، فما نشهده اليوم هو مزيد تراكم، سيؤدي لمزيد تأثير. فصناعة الإعلام على أهميتها لا تضارع صناعة الثقافة من حيث تأثيرها.

يكفي في هذا الصدد أن نشير إلى أن عملية الشيطنة التي تلبستها قوى الربيع العربي، وفي القلب منها الإسلاميين لم تأت من باب صناعة الإعلام وحدها، بل أتت من باب صناعة الثقافة عبر دفق مستمر منذ فترة ليست بالقريبة عبر الأفلام والمسلسلات والبرامج الترفيهية، ولم تكن عملية إكمال شيطنة قوى الربيع العربي لتحتاج أكثر من تكثيف الجرعة الساخرة عبر برامج مخصصة وتيار إنفاق عال، أدى في النهاية لنزع كل من الخواص الوطنية والإنسانية عن قوى الثورة في أعين الجماهير، ما جعل استباحة الدم والمال والعرض والحرية أمرا مقبولا في أعين العامة. فلم تعد الضحية تحظى بصفة الضحية، ولم تعد المظلومية طرحا مقبولا منها، حيث غرست - بصورة غير مباشرة - في اللاوعي المصري - حول هذه الضحية عدة صفات أدت لتصفيتها معنويا تمهيدا لجهود لحقت بغية تصفيتها ماديا، ومن ثم التخلص منها لكي تصبح مصر - ودول الفقر العربية - هي الكعكة الخليجية في عصر ما بعد النفط، وهو المشروع الذي لم يكن ممكنا مع وجود تيارات وطنية في قلب السلطة.

وإذا كانت كفة الإنتاج الإعلامي الإخباري متوازنة في المنطقة، فإن الكفة المتعلقة بصناعة الوجدان غير متكافئة، وتميل في الوقت الراهن لصالح مراكز القوة الناعمة العربية، بخاصة تلك التي راكمت في ترسانتها من البنية التحتية للمدن الإعلامية، وتتجه اليوم للبنية الفوقية من إنتاج تيار ثقافي وجداني داعم لوجودها ولأدوارها المستقبلية ولما تدعيه من "حقوق". وتلعب فوائض الأموال دورا كبيرا في استمالة الأقلام التي تمثل أساسا في "صناعة الثقافة والوجدان". فيما المحور المقابل ينقسم بين من يملك المال ومن يملك الموهبة، وهو انقسام لم يجد بعد طريقه للمداواة، وهي مداواة شرط لتوازن الكفة في لعبة تشكل الوجدان. فالعمل الإخباري - على أهميته - لا يصنع وجدانا، ولا يلبي احتياجات ترفيهية، وهو ما يجعل من الميسور مواجهته، وتشويهه، وتحجيم التعرض له إن ماديا عبر التشويش أو الحجب أو معنويا/ نفسيا عبر آليات بناء الحواجز النفسية والشيطنة.

أما المرحلة الأخيرة، مرحلة التسويق، فقد بدأت حروبها مبكرا على صعيد حرب الأقمار الصناعية وأجهزة الاستقبال والاختراق، وإن كانت أضعف حلقاتها حلقة الاختراق التي تكاد أن تقع في حيز المكايدة أكثر منه مواجهة إستراتيجية.

غير أن محور مراكمة القوة الناعمة يخوض حربا أخرى على أرضي الإنترنت فائق السرعة، ومحاولة بناء أرضية تسويقية مستقلة في هذا الاتجاه، عن الأرضية التسويقية الغربية، وبما لا ينتج مواجهة معها، عبر التخصص في بث الدراما العربية عبر شبكات "شاهد/ إم بي سي" و"ووتش إت"، وتبذل جهدا في الأسواق الكبيرة، ومن بينها السوق المصري للسيطرة على المحتوى الدرامي، والتكسب من ورائه، وهو ما ارتبط بأزمة محاربة تطبيق "وتش إت" للمواقع المجانية لعرض الأفلام، ومنها موقع مثل "إيجي بست".

ورغم المواجهة الشرسة في المربع الخاص بأرضية البث عبر الإنترنت، إلا أنها ما زالت بيئة مفتوحة، وقادرة على أن تمثل مدخلا لإعادة التوازن في توزيع المنتجات الثقافية، خاصة مع توفر إمكانيات مواجهتها عبر تطبيقات تجاوز الحجب، مقارنة بالبيئة المغلقة نسبيا التي توفرها آلية البث عبر الأقمار الصناعية.


المصادر:
[1] لمزيد من التفاصيل: مصطفى عباس صادق، المدن الإعلامية الحرة في دولة الإمارات، أبو ظبين المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، يوليو 2009.
[2] جدير أن نشير في هذا الإطار إلى أن التحول نحو الرقمنة خارج دول الخليج لم يكن من قبيل الرفاهية التي تتيحها هذه الدول لشعوبها، وإنما كان لما تؤدي إليه الرقمنة من تسهيل عمليات الضبط الاجتماعي والسياسي.
[3] السيد غنيم، مدينة الإنتاج الإعلامي تحذر القنوات من البث خارجها، بوابة فيتو، 27 يناير 2019. http://bit.ly/2TZxoe4
[4] خديجة الشحي وآمنة اليماحي، مرجع سابق، ص: 2.
[5] UAE Federal Council, Media in the Emirates, The media organizers in the Emirates At the federal level: http://bit.ly/2RWZUKs
[6] Editor, Which City Is The Media Capital Of The World?, World Atlas, 2015. http://bit.ly/2TZnHfB
[7] المحرر، جنرال إلكتريك تبيع حصتها فى شبكة إن.بي.سى مقابل 16.7 مليار دولار، صحيفة "اليوم السابع" المصرية، 13 فبراير 2013. http://bit.ly/38KoZyZ
[8] Ashley Lutz, These 6 Corporations Control 90% Of The Media In America, Business Insider, Jun 14, 2012. http://bit.ly/3aJHPIl
[9] Christopher McKittrick, The History of Hollywood's Major Movie Studios.. The Stories Behind Hollywood's "Big Six", Live About Dot Com, February 09, 2019. http://bit.ly/2RMtOks
[10] S. Krätke, Global Media Cities in a Worldwide Urban Network, GaWC Research Bulletin, Issue: 80, June 2003. http://bit.ly/36tg57F
[11] Richard Corliss, HOORAY FOR BOLLYWOOD!, The Times, Sept. 16, 1996. http://bit.ly/36sWgx5
[12] Rick Mauch, Media Production Development Zone: Fort Worth second Texas city approved for economic development designation, Oct 6, 2018. http://bit.ly/36xblOr
[13] السيد غنيم، مدينة الإنتاج الإعلامي تحذر القنوات من البث خارجها، بوابة فيتو، 27 يناير 2019. http://bit.ly/2TZxoe4
[14] عن المدينة الإعلامية الأردنية، موقع المدينة الإعلامية. http://bit.ly/2Glubx5
[15] الموقع الخاص بالشركة: http://www.jascomediacity.net
[16] مجد الدين خمش، العولمة وتأثيراتها في المجتمع العربي، عمانن دار المنهل للنشر والتوزيع، 2004، ص: 120.
[17] خديجة الشحي وآمنة اليماحي، دراسة تحليلية للمناطق الحرة في الدولة؛ المحتوى الإعلامي والتوصيات، المجلس الوطني للاتحاد، دولة الإمارات العربية المتحدة، ص ص: 3 - 6.
[18] ويكيبيديا، مدينة الإبداع: http://bit.ly/2vmmfti
[19] المحرر، ثماني مدن إعلامية تخدم قطاع الإعلام في الوطن العربي، صحيفة "الدستور" الأردنية، 28 أكتوبر 2009. http://bit.ly/2NTFj8P
[20] خديجة الشحي وآمنة اليماحي، مرجع سابق، ص: 4.
[21] زهير دوله، مدينة الإنتاج الأولى في غزة تحاكي أزقة القدس، الإمارات اليوم، 10 يونيو 2017. http://bit.ly/2O3wZDw
[22] المحرر، ثماني مدن إعلامية تخدم قطاع الإعلام في الوطن العربي، "باب نت"، 5 نوفمبر 2009. http://bit.ly/2RQ50YZ
[23] المحرر، قريبًا.. أول مدينة إعلامية في الطائف، "شبكة "روتانا"، 4 مايو 2017. http://bit.ly/38LTSmX
[24] المحرر، تدشين أول مدينة إنتاج‏ إعلامية سعودية بديلا عن مصر ودبي، مجلة "الرجل" أبريل 2019. http://bit.ly/2RQR69a
[25] المحرر، مقابلة رئيس مجلس إدارة المدينة الإعلامية ومدير مكتب الاتصال الحكومي مع قناة تي آر تي، مكتب الاتصال الحكومي في دولة قطر. http://bit.ly/2NWFoIM
[26] محمد مكي، مكي، مرجع سابق، ص: 126.
[27] خديجة الشحي وآمنة اليماحي، مرجع سابق، ص: 2.
[28] الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، رؤيتنا: http://bit.ly/37yhWJD
[29] وائل اللبابيدي، مدينة دبي للإنترنت.. 20 عاماً من الابتكار التقني، صحيفة "البيان" الإماراتية، 29 أكتوبر 2019. http://bit.ly/36C8yne
[30] S. Krätke, Global Media Cities in a Worldwide Urban Network, GaWC Research Bulletin, Issue: 80, June 2003. http://bit.ly/36tg57F
[31] S. Krätke, Global Media Cities in a Worldwide Urban Network, GaWC Research Bulletin, Issue: 80, June 2003. http://bit.ly/36tg57F
[32] ياسر عبدالعزيز، حروب الدراما، صحيفة "الوطن" المصرية، 5 يناير 2020. http://bit.ly/2uFpKLi
[33] Rick Mauch, Media Production Development Zone: Fort Worth second Texas city approved for economic development designation, Oct 6, 2018. http://bit.ly/36xblOr
[34] Admin, Media Production Development Zone Program, Texas Film Commission. http://bit.ly/2uDYxs4