صحيفة الاستقلال

تقارير

النفط وكورونا يهويان باقتصاد السعودية.. هل تعلن المملكة إفلاسها؟

31/03/2020 08:03:00 | تقارير
النفط وكورونا يهويان باقتصاد السعودية.. هل تعلن المملكة إفلاسها؟
الضربة الأولى تمثلت في انخفاض أسعار النفط بشكل حاد تلاها ضربة تمثلت في فيروس كورونا
حجم الخط طباعة

لم يكن مارس/آذار 2020، شهرا عاديا يمر على المملكة العربية السعودية، خلاله تعرضت المملكة لضربتين كبيرتين ومتتاليتين ضاعفتا من قيمة العجز في الموازنة العامة، ودفعتا الرياض لزيادة سقف الدين العام والبحث عن بدائل لسد العجز في الموازنة.

الضربة الأولى تمثلت في انخفاض أسعار النفط بشكل حاد، تلاها الضربة الثانية المتمثلة في فيروس كورونا الذي تفشى في أغلب دول العالم، وكانت السعودية من بين أكثر المتضررين منه، لما أصاب اقتصادها من شلل ضاعف الأعباء.

حاولت الرياض تدارك آثار الضربتين على اقتصادها بإحداث توازن وتقليص موازنتها والبحث عن بدائل اقتصادية أخرى، كالاستثمارات المحلية والعالمية، إلا أنها لم تنجح في تجاوز أزمتها الاقتصادية التي تضيق دائرتها يوما بعد آخر.

حرب النفط

الانخفاض المتكرر في أسعار النفط يأتي في سياق الحرب النفطية بين السعودية وروسيا، حيث قامت السعودية بإيعاز من الولايات المتحدة بزيادة إنتاجها من النفط، بقصد الإضرار بموسكو، ما تسبب في هبوط سعر البرميل إلى 30 دولارا، ثم إلى 25 دولارا.

بداية العام أقرت الرياض موازنة 2020 بنحو 1.02 تريليون ريال (نحو 272 مليار دولار)، بناء على سعر برميل النفط الذي كان يصل وقتها لنحو 60 دولارا، قبل أن يتراجع ويهبط سعره ويفقد نصف قيمته، وتضطر المملكة لإنقاص 13 مليار دولار من الميزانية المقرة سابقا.

خفض الميزانية، لم يكن كافيا، فأعلنت السعودية عن حزمة تدابير أخرى بقيمة 32 مليار دولار، بالتزامن مع تعليق العمل في معظم أنشطة القطاع الخاص لمدة 15 يوما إثر ظهور فيروس كورونا عالميا.

علاوة على ذلك، أعلن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الحكومة تسعى لأخذ موافقة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز على استخدام مصادر مختلفة، مثل زيادة سقف الدين العام، والاحتياطات الحكومية، من أجل التعامل مع التحديات المستجدة، وأضاف أن هذا التدخل الإيجابي سوف يتم السماح به من خلال القنوات والأوقات المناسبة، حد قوله.

بعدها أعلن الجدعان، أن الحكومة حصلت على موافقة الملك سلمان، بزيادة سقف الدين العام من 30%  إلى 50% من إجمالي الناتج المحلي، أي إلى 100 مليار ريال (نحو 27 مليار دولار) هذا العام.

 وأضاف الوزير السعودي أن السعودية قررت زيادة اقتراضها هذا العام، لتمويل عجز الموازنة الذي لن يزيد عن 7 إلى 9 بالمئة بنهاية العام، رغم توقعات سابقة بأن العجز لهذا العام لن يزيد على  6.4 بالمئة.

العجز المالي في ميزانية السعودية بدأ منذ تدني أسعار النفط عام 2014، ولم يتوقف هذا العجز، بل استمر  حتى العام 2020، وهو ما انعكس سلبا على النمو الاقتصادي في المملكة.

تأثير كورونا

لم تكد الرياض تفيق من صدمة انخفاض أسعار النفط حتى ضربتها أزمة كورونا، بتأثيرها الكبير على قطاعات السياحة والسفر والطاقة والمواد الأساسية.

شركة الخبير المالية توقعت أن تؤثر كورونا سلبا على مواسم العمرة والحج، في حال استمرارها خلال الشهور المقبلة، خصوصا وأن الحجاج والمعتمرين من الدول الآسيوية غير العربية يشكلون ما نسبته 60% من مجموع حجاج الخارج.

وحسب تقرير "الخبير المالية" يعتبر قطاع النفط والمواد البتروكيماوية الأكثر تضررا في المملكة، حيث يمثّل النفط الخام ومشتقاته ما نسبته 66% من إجمالي صادرات السعودية إلى الصين.

في حين تمثل المنتجات البتروكيماوية والهيدروكربونية ما نسبته 32% علما أن الصين هي أكبر مستهلك للبتروكيماويات في العالم وثاني أكبر مستهلك للنفط الخام.

ويكشف التقرير عن توقعات سلبية لقطاع المنتجات البتروكيماوية تحديدا في ضوء التأثير السلبي المحتمل للمرض على اقتصاد الصين وقطاعها الصناعي، وكذلك ضعف الطلب من قطاع صناعة السيارات.

3 سيناريوهات

3 سيناريوهات لتأثير كورونا على الاقتصاد السعودي، وفق ما ذكرته "الخبير المالية"، أولها السيناريو المتفائل بالسيطرة على الفيروس بحلول أبريل/نيسان 2020، واستئناف زيارات العمرة وبموجب هذا السيناريو، فإن حجم التأثير السلبي المحتمل على نمو الناتج المحلي الإجمالي يتراوح من صفر حتى 10 نقطة أساس.

السيناريو الثاني يتمثل في السيطرة على الفيروس بحلول يونيو/حزيران 2020، واستئناف زيارات العمرة مطلع مايو/آيار 2020، ويفضي هذا السيناريو إلى حدوث عجز في الميزانية العامة، وتراجع أداء قطاعات الحج والعمرة والنفط والبتروكيماويات ويترتب على هذا السيناريو تأثير سلبي أكبر على نمو الناتج المحلي الإجمالي بواقع يتراوح بين 40 و60 نقطة أساس.

أما السيناريو المتشائم، فيفترض السيطرة على الفيروس بحلول سبتمبر/أيلول 2020، وامتداد كورونا إلى الدول الإسلامية بما يؤثر سلبا على قطاع الحج والعمرة، ويؤثر حدوث هذا السيناريو بشكل كبير على اقتصاد المملكة مع احتمال تراجع النمو في ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح تقريبا بين 100 و140 نقطة أساس.

السيناريو الأخير يعود بشكل رئيسي إلى التراجع المحتمل في مستويات إنتاج النفط. ويشمل ذلك ارتفاع حجم العجز في الميزانية العامة، والحساب الجاري، وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، وتراجع أكبر في أداء قطاعات الحجم والعمرة، والتجزئة، والنفط والبتروكيماويات. وفق تقرير "الخبير المالية". 

اكتتاب أرامكو

وفي سبيل التقليص من العجز، قررت السعودية التي تعتمد على النفط بشكل أساسي، تنويع مصادر دخلها القومي، وقد كان خيار الاستثمار المحلي والدولي أحد الخيارات، لإحداث توازن في مواردها المحلية.

إثر ذلك قررت الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، طرح نسبة 5% من شركة أرامكو للاكتتاب. بعض المراقبين رأوا أن ذلك الإجراء الذي تتخذه الحكومة السعودية قد يؤمن للسعودية مكاسب، لكنها مكاسب قصيرة الأجل، غير أنها في المقابل ترتكب خطأ قد ينسف بالاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد.

وفق ما نشرته صحيفة روسيا اليوم، حذر المحلل السياسي الروسي ألكسندر نازاروف "الحكومة السعودية من كونها ترتكب خطأ مقابل مكسب قصير الأجل، يتمثل في هيئة جمع أموال قد تثير استياء المواطنين، والتضحية بالاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد، وأن الاكتتاب العام على شركة أرامكو السعودية سوف يتحول من الحديث عن قصة نجاح إلى مصدر للمشكلات".

وقال نازاروف في مقاله المنشور في ديسمبر/كانون الأول 2019: "لقد حذر المتشككون، وأنا أحدهم، من أن اكتتاب أرامكو السعودية يذكرنا باكتتابات عامة أخرى حدثت في روسيا، وخاصة الاكتتاب العام على بنك في تي بي VTB الروسي، عندما رفض المستثمرون المحترفون شراء الأسهم بأسعار مبالغ فيها، لجأ منسقو الاكتتاب العام إلى المواطنين العاديين للحصول على الأموال، حيث تم التلاعب بعواطفهم بسهولة، وبلا ضمير، من قبل وسائل الإعلام،  فأصبحوا ضحية سائغة لهذه الدعاية، وخلال 5 سنوات كانوا قد خسروا 50% بالمائة من أسهمهم".

 وقال المحلل السياسي: "دعونا نتذكر أن قيمة الاشتراك الأولى للأسهم كانت بسعر 32 ريالا للسهم، وبعد موجة من الإثارة والتوقعات غير المعقولة التي أشعلتها وسائل الإعلام، وصلت المضاربات الأولى في 11 ديسمبر من العام الماضي (2019) إلى 35.2 ريال للسهم الواحد، ثم ارتفعت القيمة إلى 38 ريالا في 16 ديسمبر". 

وتابع: "ومع ذلك، ومنذ ذلك الحين، انخفضت أسهم أرامكو السعودية بلا هوادة، وأصبحت الآن سلبية بالنسبة للقيمة الأولى، واقتربت من 32 ريالا، وسوف تبدأ بعد ذلك الخسائر لجميع المستثمرين في الاكتتاب العام".

وأضاف المحلل الروسي: "وفي وقت كتابة هذا المقال بلغت قيمة السهم الواحد لأرامكو السعودية 32.7 ريال، بينما سجل الانخفاض اليوم نسبة 1.51%، وأكاد أكون متأكدا، أنه خلال أسابيع، وربما خلال أيام قليلة سوف يهبط السعر عن 32 ريالا".

وهو ما حصل بالفعل، فإن السهم الواحد وصل في نهاية مارس 2020 إلى 28.9 مسجلا أكبر خسارة للمساهمين منذ الاكتتاب في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، مع توقع مراقبين بمزيد من الانخفاض والخسارات بسبب تراجع الاقتصاد وأسواق البورصة، متأثرة بانخفاض أسعار النفط والأزمة الصحية الناتجة عن انتشار فيروس كورونا، فضلا عن حالة الهلع الذي أصاب الكثيرين وانعكس على الوضع الاقتصادي.

فاتورة الحرب

ورغم الأزمات الاقتصادية التي ما فتئت تضرب السعودية إلا أنها مستمرة في شراء الأسلحة ودفع فاتورة حربها في اليمن، الأمر الذي قد يدفعها لمواجهة أزمة اقتصادية هي الأصعب في تاريخها.

وحسب صحيفة بلومبيرغ الأميركية، فإن السعودية سوف تواجه أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، وستسجل أعلى نسبة عجز في موازنتها بسبب ارتفاع نفقة الحرب في اليمن والتدخلات في الدول الأخرى.

وتنفق السعودية مليارات الدولارات على مشروعها في تبني الثورات المضادة في بلدان الربيع العربي، رغم تدهور اقتصادها بشكل متزايد خلال ال6 سنوات الماضية.

الأمر الذي يدفع مراقبين للتساؤل هل يقوم النظام السعودي بمراجعة سياسته تجاه تلك الملفات، أم يستمر في سياسته التي رأى مراقبون أنها سوف تتسبب بترنح الاقتصاد السعودي في نهاية المطاف؟.

مهددة بالإفلاس

تقرير صحيفة أويل برايس الأميركية في 15 مارس/آذار 2020، توقع إفلاس السعودية في غضون 3 إلى 4 أعوام، إذا استمرت في سياستها بتخفيض النفط وزيادة الإنتاج.

وأشار التقرير إلى أنه حتى قبل شن حرب أسعار النفط الجديدة، كانت السعودية تواجه عجزا كبيرا في الميزانية كل عام، وهذا العجز قد يستمر حتى عام 2028.

وأضاف التقرير: أن "السعودية انتقلت من فائض في الميزانية إلى عجز قياسي مرتفع في عام 2015، بلغ 98 مليار دولار، كما أنفقت ما لا يقل عن 250 مليار دولار من احتياطاتها من العملات الأجنبية خلال تلك الفترة، بسبب تراجع أسعار النفط منذ النصف الثاني من 2014، وهو العجز الذي كان شنيعا على السعوديين وحلفائهم الأكثر فقرا، وأنه من المرجح أن تكون العواقب هذه المرة أسوأ بكثير".

ويقول التقرير: "مع ذلك، فإن الأسباب التي قد تدفع (ولي العهد) محمد بن سلمان إلى التسبب بإفلاس بلاده وإنفاق ما تبقى من احتياطاتها المتضائلة من الأصول الأجنبية، واحتمال إبعاد حليفتها المهمة الوحيدة في العالم سوف تبقى لغزا".

ويختم التقرير بالقول: بأنه "مهما كان سبب الإفلاس، فإن كلا من الولايات المتحدة وروسيا ستشعران بالسعادة وهما تراقبان ما يحصل لمحمد بن سلمان".

وانخفض سعر برميل النفط في 2014 من 115 دولارا للبرميل إلى نحو 62 دولارا، لتأتي الموجة الثانية في مارس/آذار 2020، ويفقد فيها نصف قيمته مرة أخرى، ويهبط إلى أقل من 30 دولارا،  في ظل توقعات بوصول سعر البرميل إلى 20 دولار.