صحيفة الاستقلال

تقارير

نجت مبكرا من مصير أوروبا.. هكذا أدارت تركيا أزمة “كورونا”

28/03/2020 08:03:00 | تقارير
نجت مبكرا من مصير أوروبا.. هكذا أدارت تركيا أزمة “كورونا”
استوعبت تركيا الدرس جيدا واستفادت من تجارب الدول التي بدأت الإجراءات الصحية متأخرة بعد أن ضربها الوباء
حجم الخط طباعة

بدا النموذج التركي في التعامل مع أزمة كورونا ملفتا، فرغم الجائحة الكبرى وحالة الفزع التي أحدثها انتشار الفيروس الجديد في عدد من البلدان، إلا أن تركيا استطاعت إدارة الأزمة باقتدار، بما أسهم في تقليص دائرة الانتشار، وبالقدر الذي يدفع المواطنين لأخذ الاحتياطات اللازمة للوقاية ومع الاحتفاظ بالهدوء والطمأنينة لدى المواطنين.

ورغم كون تركيا بلدا سياحيا يأتيه الزوار من كافة أنحاء العالم، ما يعد وسيلة سهلة لانتشار العدوى بشكل واسع، إلا أنها تمكنت من تقليل عدد الإصابات، بفضل الإجراءات التي اتخذتها في وقت مبكر.

استوعبت تركيا الدرس جيدا، واستفادت من تجارب الدول التي بدأت الإجراءات الصحية متأخرة بعد أن ضربها الوباء، أو تلك الدول التي تعاملت بنوع من الاستهتار مع حجم التهديد الذي يشكله الفيروس.

بالفعل أثبتت تركيا نجاحا في أحد التحديات المهمة التي تواجهها الدول، وهو الحفاظ على استقرار المجتمع، وعدم دفعه للهلع، حيث دعا وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة المواطنين من أول يوم إلى عدم القلق من نفاد المواد الغذائية أو الاحتياجات الأساسية.

الوزير قال: المواد الغذائية ستكون مؤمنة، والمصانع سوف تواصل عملها وفق طرق الوقاية الصحية، وسوف تعمل على تلبية حاجة كافة المواطنين، وهو ما تم بالفعل.

فرغم تعليق الحياة العامة تقريبا في أغلب المؤسسات والدوائر الحكومية والخاصة، إلا أن المتاجر استطاعت أن تلبي حاجة المواطنين بشكل كاف، وهو الأمر الذي أسهم بطمأنة المواطنين، وعدم التسبب لهم بأي مخاوف.

الوزير أوضح أن "الوضع في تركيا فيما يتعلق بتفشي كورونا مختلف تماما عنه في بقية البلدان، الوضع تحت السيطرة في تركيا بخلاف العديد من الدول التي فقدت السيطرة على المرض". داعيا المواطنين إلى عدم الهلع والانصياع للتدابير التي تتخذها الحكومة للسيطرة الكاملة على تفشي الفيروس.

علاوة على ذلك، استمرت الصيدليات بتقديم الأدوية طوال فترة الدوام الطبيعية المعمول بها قبل حصول الأزمة، كما استمرت المستشفيات بتقديم كافة الخدمات على مدار الساعة.

المصانع وخطوط الإنتاج هي الأخرى عملت بوتيرة متسارعة لاستمرار إنتاج الأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى الاحتياجات الأساسية اليومية للمواطنين.

تلك الإجراءات بثت الطمأنينة في نفوس المواطنين الأتراك ودفعتهم للتعامل مع تلك المتطلبات بقدر جيد من الاتزان، وهو الأمر الذي تم احتسابه للسلطات التركية في قدرتها على إدارة الأزمة منذ وقت مبكر.

إجراءات مبكرة

منذ الأيام الأولى لإعلان أول حالة إصابة بفيروس كورونا، أعلنت الرئاسة التركية عن حزمة من الإجراءات الاحترازية في إطار العمل على مكافحة الوباء، وتدرجت في اتخاذ القرارات بما تقتضيه الحاجة ويتطلبه الوضع.

في بدء الأمر عقد الرئيس رجب طيب أردوغان، اجتماعا طارئا مع عدد من قيادات الدولة، وكلف باتخاذ التدابير اللازمة مبكرا، للحيلولة دون انتشار الفيروس، وأكد أن الجهات الحكومية ممثلة بوزارة الصحة ستنسق وتتخذ كافة التدابير بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات الأخرى.

وأكد أردوغان أن التدابير الشخصية التي يتخذها المواطنون ستكون أفضل الوسائل لمواجهة الفيروس، فدعا إلى تأجيل المصافحة والعناق، كما دعا إلى تجنب الذهاب إلى الأماكن المزدحمة، خصوصا لكبار السن ومن لديهم مشكلات سابقة في جهاز المناعة.

بالتزامن مع ذلك صدرت قرارات بتعليق الدراسة في كافة المدارس والجامعات، ثم تحويلها إلى التعلم عن بعد عن طريق الإنترنت، وهو ما أعلنه المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالن في مؤتمر صحفي.

قال: "الحكومة التركية قررت تعليق الدراسة في المدارس والجامعات من تاريخ 16 مارس/آذار 2020 وحتى إشعار آخر على أن تتواصل العملية التعليمية عن طريق الإنترنت من خلال تقنيات التعلم بعد، كما تقرر أيضا إجراء المسابقات الرياضية بدون جماهير حتى نهاية أبريل/نيسان، بعد التأكد من سلامة صحة اللاعبين".

 

كانت الخطوة التالية هي حظر الرحلات الجوية لعدد من بلدان العالم، ودخل قرار الحظر مبكرا، وأعلن وزير الصحة حظر الرحلات الجوية مع 20 دولة. 

قبل قرار الحظر، بدأت تركيا نظام مراقبة صارم في المطارات، حيث تم تركيب كاميرات استشعار حراري لكشف المصابين، بالإضافة إلى جهاز قياس الحرارة في منافذ الدخول، كما أخضعت جميع الركاب القادمين من الصين للفحص الفردي، قبل أن تقوم بالحظر الكامل على القادمين من الصين.

وعندما انتقدت الصحفية التركية في تلفزيون تي 24 سيرين بايزن، في تغريدة لها عدم اتخاذ أنقرة الإجراءات اللازمة للكشف عن المسافرين، وعدم الكشف عليها في المطار، رغم أنها آتية من إيطاليا، رد عليها وزير الصحة في تغريدة بالقول: "سيدتي إذا أحببت أن نرسل لك صورك بالكاميرا الحرارية فسوف نفعل، لقد رأيناك سليمة، ولم نحب إزعاجك أو إيقافك".

وفي حزمة إجراءات ضد انتشار كورونا، فرضت أنقرة الحجر الصحي الإجباري لمدة 14 يوما لكل العائدين من العمرة، ونقلتهم إلى المساكن الطلابية في كل من أنقرة وقونيا، وأجرت لهم الفحوصات اللازمة، خلال فترة الحجر.

 

 

أماكن الازدحام

ألغت تركيا العروض والمسارح والمتاحف والفعاليات الثقافية، كما قامت بتأجيل المعارض الدولية، ثم أصدرت تكليفا بإغلاق المساجد ودور العبادة، والاكتفاء بالأذان والنداء بالصلاة في البيوت وينطبق ذلك على صلاة الجمعة أيضا.

وأصدر رئيس الشؤون الدينية التركية علي أرباش قتوى بأن الالتزام بالصلاة في البيوت أصبح ضرورة شرعية، إذ لا ضرر ولا ضرار، وقال: إن الإصرار على الصلاة في المساجد لا يجوز شرعا.

وفي سياق ذلك أصدرت الحكومة التركية قرارا بتقليص عمل المولات والمراكز التجارية من الساعة 12 صباحا وحتى السادسة مساء باستثناء الأحد، وأعلن رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو تقليص ساعات العمل لدى وسائل النقل العام بإسطنبول.

وعقب ذلك صدر قرار بإغلاق المطاعم والمقاهي، واقتصار عملها على التوصيل المنزلي.

حملة توعية

في إطار التوعية ضد انتشار الجائحة دشنت أنقرة حملة "ابقوا في البيوت" وهي حملة توعوية، تهدف لدفع المواطنين للقيام بالحجر الصحي الطوعي، لمنع انتشار الفيروس، وحظرت تركيا نهائيا على كل من هو فوق الـ 65 عاما الخروج من المنزل، مع توفير رقم هاتف لخدمتهم من قبل البلديات.

الأطباء الأتراك شاركوا أيضا في تلك الحملة ورفعوا شعار (نعمل من أجلكم.. فابقوا في البيوت من أجلنا) وهي الحملة التي أسهمت في خلق وعي كبير لدى المواطنين، ومن أجل تقدير عمل الأطباء وتقدير المخاطر التي يعيشون فيها يقوم المواطنون بتحيتهم عبر التصفيق من النوافذ في تمام التاسعة مساء كل يوم.

كما قامت السلطات بنشر إعلانات على المحطات التلفزيونية وعلى منصات التواصل الاجتماعي تدعو المواطنين إلى التزام البيوت، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى، وتقول السلطات: إنها في الوقت الذي يتطلب الأمر فرض حظر تجوال كامل بشكل إجباري فسوف تقوم بهذه الخطوة.