صحيفة الاستقلال

تقارير

استهداف متكرر لأعرق جمعية بالعراق.. من يحارب “التربية الإسلامية”؟

31/03/2020 16:03:00 | تقارير
استهداف متكرر لأعرق جمعية بالعراق.. من يحارب “التربية الإسلامية”؟
جمعية التربية الإسلامية تنشط في كفالة الأيتام ورعاية الأسر المتعففة في العراق
حجم الخط طباعة

لا يقتصر مسلسل الإقصاء والتهميش الذي يطال السُنة في العراق، على الأحزاب والكيانات السياسية فحسب، وإنما امتد عقب عام 2003 إلى مؤسسات إنسانية وخيرية لا ترتبط بالسياسة منذ تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي، رغم تعاقب مختلف الأنظمة الحاكمة.

وأثار كتاب منسوب لـ"لجنة تجميد أموال الإرهابيين" العراقية في 20 مارس/ آذار 2020، يقضي بتجميد أموال 5 جمعيات ومؤسسات خيرية من بينها "جمعية التربية الإسلامية"، غضبا سياسيا وشعبيا، كونها تتمتع بتاريخ عريق منذ تأسيسها في بغداد عام 1949 على يد العلامة الشيخ أمجد الزهاوي، وكذلك نشاطها الدؤوب في كفالة الأيتام وإعانة الأسر المتعففة.

"قرار غريب"

القرار أثار استغراب القائمين على جمعية التربية الإسلامية، اللذين عرفوا بالقرار عن طريق وسائل الإعلام بعد أيام من إصداره، ولم يصل إلى مبنى المؤسسة ويسلم إليها عن طريق اليد كما هو معمول به قانونا.

وفي حديث لـ"الاستقلال" قال عضو الهيئة الإدارية للجمعية واثق عباس: "القرار غريب ولم نعلم به إلا من خلال وسائل الإعلام المحلية، في العادة مثل هذه القرارات يفترض أن تصل إلى المؤسسة المعنية، لا أن تشوه سمعة الجمعية العريقة بهذه الطريقة حتى قبل علمها بذلك".

وأضاف: أن "تعاملات الجمعية المالية، كلها كانت تخضع لديوان الرقابة المالية في السابق، أما اليوم فإن المحاسب القانوني ودائرة المنظمات يتابع أي أموال تدخل إلى الجمعية وتخرج منها"، لافتا إلى أن "نشاطات الجمعية متابعة من دائرة المنظمات غير الحكومية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء".

وشكك عباس في حقيقة الكتاب الذي يحمل توقيع واسم لجنة "تجميد أموال الإرهابيين"، بالقول: "لا نعلم على وجه الحقيقية هل الكتاب صادر بشكل رسمي أم هو مزور، لأنه لم يصلنا إلى الجمعية أي شيء بطريقة رسمية".

جريمة زج جمعية التربية الإسلامية في ملف الجمعيات التي لها صلة بالإرهاب طائفية مقيتة وسرقة لممتلكات العرب السنة في بغداد

ممتلكات جمعية التربية الإسلامية ملك العراقيين كافة ولا يقبل أن تكون نهبا لحكام العراق السراق

ندعو الجمعيات الحقوقية في العالم لوقف السرقة المنظمة للعرب السنة... pic.twitter.com/bmtPBZyh6n

— ( N.A.S.R ) (@Nasr_Comp) March 21, 2020

وحمّل عضو الهيئة الإدارية وسائل الإعلام المحلية التي تعاطت مع الموضوع بشكل سلبي دون التثبت أو نقل وجهة نظر الجمعية، المسؤولية في الإساءة إلى مؤسسة تعتبر من أعرق المؤسسات في الجمعيات في العراق، تأسست عام 1949 على يد الشيخ الراحل أمجد الزهاوي.

وبخصوص طبيعة نشاط المؤسسة، أوضح عباس أن بداية عمل الجمعية انصب على التربية والتعليم، إذ فتحت مدرسة ومعهدا، لإعداد جيل مسلم يعتمد الفهم الحقيقي للإسلام، ثم بدأت بالأعمال الخيرية والإغاثية، في رعاية قربة 1000 يتيم مسجل رسميا، وأكثر من 450 عائلة متعففة.

ومن أبرز الأدلة على أن الوثيقة الصادرة من لجنة تجميد أموال الإرهابيين، صادرة من جهة "جاهلة بعملها الإداري" لأنها أدرجت اسم خالد محمد حميد، إضافة إلى ضياء بدري حمودي، وذكرت أنه رئيس الجمعية، وعبد الوهاب السامرائي على اعتبار أنه أمين سر الجمعية، لكن الثلاثة ليسوا موجودين في إدارة الجمعية، بسبب وفاة أحدهم وتسلَّم آخرين المسؤولية في الجمعية بعد انتخابات رسمية.

وما يثير استغراب الجهات القائمة على الجمعية أنه جاء قبل بالتزامن مع حظر التجوال، حيث لم تتمكن من مراجعة المحاكم ورفع دعوى قضائية حول الموضوع، ومحاسبة الجهات التي تطعن وتسيء في سمعة المؤسسة التي تنشط في الأمور الخيرية الإنسانية.

استهداف سابق

الاستهداف الحالي للجمعية، لم يكن الأول من نوعه، فقد أقدمت جهات متنفذة بالحكومة في مايو/أيار 2018، على هدم مسجد "جمعية التربية الإسلامية"، الذي له مكانة كبيرة في نفوس العراقيين والبغداديين تحديدا، لما له من دور كبير في تثقيف الصغير والكبير، لاحتوائه على مدرسة متكاملة لتدريس القرآن الكريم وعلومه العظيمة منذ أواخر الأربعينيات.

وأفادت تقارير بأن هدم مسجد (جمعية التربية الإسلامية) البالغ مساحته 247 مترا مربعا، والواقع ضمن بناية الجمعية في منطقة المنصور غربي بغداد، جرى على يد مالك العقار، وهي كلية التراث الأهلية التي تقع بجوار المسجد العريق، المعروف باسم علي العكيلي، وعميدها صباح النجار.

كتب المخاطبات بين جمعية التربية الإسلامية وكلية التراث تؤكد وجود عقد إيجار بين المالك-الجمعية!

والجامعة كأنها استغلت ثغرة قانونية واستحصلت على كتاب موافقة بالهدم،وأخذت البناية، نحن نريد أن نفهم:

هل تم بيع الجمعية؟

هل الجامعة استحوذت على الجمعية بطرق غير قانونية؟

هنالك حلقة مفقودة! pic.twitter.com/FZQ944376M

— جاسم الشمري #خليك_بالبيت (@jasemj67) June 21, 2018

وجرى مع ذلك، الاستيلاء على مقر الجمعية برمته وبما فيه، وحرمان أيتام ومتعففي الجمعية المكفولين، خلافا لعقد الإيجار المبرم بين عمادة الكلية ومجلس إدارة الجمعية حصرا، والذي كان يجدد سنويا منذ عام 1988.

وبخصوص هذا الموضوع، قال واثق عباس: إن الخلاف سببه طبيعة إدارة جمعية التراث لكلية التراث وليس للبناية، ذلك أن البناية تعود للجمعية، وهذه المشكلة استمرت حتى بداية عام 2000، ورفعت الجمعية دعوى للقضاء، بسبب أن قيمة الإيجار المنخفضة لا تفي بمتطلبات طبيعة البناء، وكسبت "التربية الإسلامية" القضية.

وأشاد عباس بدور القضاء في إنصاف جمعية التربية الإسلامية قانونيا، في الدعاوى القضائية السابقة بين المؤسسة وكلية التراث الأهلية، لاسترداد الحقوق المالية المترتبة على الأخيرة.

وأكد أن الجمعية لم تتعرض لأي اعتداء منذ العهد الملكي (1921-1958) مرورا بالعهد الجمهوري، ولا من الشيوعيين أو من حزب البعث، فالجمعية لا تتدخل في السياسة وليست لها ارتباطات سياسية.

صمت حكومي

رغم مطالبة جهات سياسية سنية من رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي (ما يزال يدير شؤون الحكومة) بضرورة إجراء تحقيق فوري بالموضوع، إلا أن السلطات الحكومية لا تزال تلتزم الصمت، ولم يصدر عن الجهات المعنية أي تعليق حتى وقت كتابة هذا التقرير.

حزب جبهة الإنقاذ والتنمية (أسسه القيادي السني نائب رئيس الجمهورية سابقا أسامة النجيفي في سبتمبر/أيلول 2019)، أعرب في بيانه الصادر 22 مارس/ آذار 2020، عن أسفه البالغ بشأن القرار الصادر عن رئيس لجنة يطلق عليها "تجميد أموال الإرهابيين" المتضمن تجميد الأموال المنقولة وغير المنقولة لعدد من الكيانات من بينها جمعية التربية الإسلامية .

وقال الحزب الذي يشرف على الجمعية: "مبعث الأسف يكمن في إدراج هذه الجمعية ضمن كيانات مرتبطة بالإرهاب، ذلك أنها جمعية اجتماعية خيرية تنأى بنفسها عن السياسة بأشكالها كافة"، مشيرا إلى أنها "مؤسسة منذ نهاية الأربعينيات ولها مدارس تديرها وتصدر مجلة شهرية متميزة تدعو للوسطية والاعتدال توزع في العالم الإسلامي".

الهيئة نت| تم الاستيلاء على بناية الجمعية ومسجدها الواقعين في منطقة المنصور خلف مستشفى الهلال الأحمر؛ من قبل الجهات التي منحتها وزارة التعليم الحالية مقاولات وعقود استثمار؛ مما تسبب بحرمان الأيتام والمتعففين الذين تكفلهم الجمعية من حقوقهم. pic.twitter.com/0enIG0zxX6

— هيئة علماء المسلمين في العراق (@amsiiraq) June 19, 2018

وتابع البيان: "الجمعية تقوم بتنفيذ مبادرات قوامها توزيع المساعدات على الفقراء والمحتاجين والعائلات المتعففة والأيتام، حيث ترعى 900 يتيم و 250 عائلة متعففة منذ عدة سنوات، ولها نشاطات إغاثية  في مخيمات النازحين".

وأشارت الجبهة، إلى أن مصادر تمويلها معلومة وهي ترفض تسلم أية مساعدة من مصدر غير ذي ثقة، وكل ذلك موثق لديها في سجلات خاصة خاضعة للتدقيق والمحاسبة من قبل الجهات الحكومية.

ونوهت إلى أن قرار المصادرة يثير تساؤلات جدية عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراءه، والأطراف ذات المصلحة في تشويه سمعة الجمعية كمقدمة للاستيلاء على أملاكها خاصة وأن الجمعية قد كسبت القضايا المعروضة في المحاكم بسبب الخلافات مع المستثمر المتعاقد معها وإحدى الجهات الحكومية.

وطالبت "جبهة الإنقاذ والتنمية" رئيس مجلس الوزراء بفتح تحقيق عاجل للوقوف على أسباب درج جمعية التربية الإسلامية ذات التاريخ الناصع ضمن قرار المصادرة، وإعادة الاعتبار لها بشطب اسمها من القرار المذكور، ذلك أنها جمعية معروفة بنهجها المعتدل وبعدها عن كل أشكال التطرف. 

مسيرة ناصعة

تأسست جمعية التربية الإسلامية في 12 أغسطس/آب 1949 نتيجة لفكرة طرحت في أحد مجالس الشيخ أمجد الزهاوي في بغداد، إذ نشأت الجمعية، كمدرسة إسلامية، لتكون ندا لمدارس مسيحية أنشئت قبلها بالعاصمة العراقية، والتي تهتم بالدين المسيحي كمدرسة كلية بغداد وثانوية الراهبات التي تغير اسمها إلى ثانوية العقيدة.

الفكرة التي طرحها المحامي عبدالرحمن خضر في مجلس الزهاوي إلى الأستاذ عبد الوهاب السامرائي الذي كان مدرسا وقتها، فاستحسنها الشيخ أمجد وقبلها الأستاذ عبدالوهاب، وفي اليوم التالي كتب الأخير نظامها وقدمه إلى الشيخ الزهاوي، وأرفق بطلب تأسيس جمعية باسم التربية الإسلامية وقدم إلى وزارة الداخلية العراقية فأجيزت الجمعية بتاريخ 22 أغسطس/آب 1949.

ويقول الكاتب الدكتور أكرم المشهداني في مقال نشره بمجلة "الكاردينيا" في أيار/ مايو 2013، عن دور الجمعية في تأسيس مدرسة "التربية الاسلامية": إنها لم تكن مجرد مدرسة، بل كانت عبارة عن منظومة قيمية متكاملة نادرة الوجود، لم أجد أو أسمع لها ندا أو شبيها، إنها مدرسة التربية الإسلامية في الكرخ، التي أسستها (جمعية التربية الإسلامية) وأدارها بكفاءة واقتدار نادرين الشيخ الجليل والمربي الفاضل عبدالوهاب عبدالرزاق السامرائي يرحمه الله.

وأضاف: "كانت التربية الإسلامية عبارة عن منظومة قيمية تربوية أخلاقية يوجهها ويقودها الشيخ عبدالوهاب السامرائي يرحمه الله، حيث كان السامرائي يحسن انتقاء الملاك التدريسي للمدرسة من خيرة المربين وأكفأ المعلمين، ومن المشهود لهم بالتقوى والصلاح والكفاءة العلمية".

كما كانت المدرسة مؤسسة تعليمية تربوية متميزة، تضم جميع شرائح الشعب من فقراء ومتوسطي حال وأغنياء، حتى أن المدير كان يقبل أبناء الفقراء طلابا في المدرسة يعفون عن دفع أية رسوم بل كان يمنحهم مساعدات من تبرعات الأخيار وكان هو ومعاونوه يتابعون أحوال الناس ويتفقدون الفقراء والمحتاجين.

وأكد المشهداني أن "الأستاذ السامرائي ومعاونيه، حريصون على إيصال زكوات وصدقات الأغنياء والموسرين إلى من يستحقها من العوائل الفقيرة، وكان على الدوام موضع ثقة الناس من كل الدرجات والمشارب، وكانت المدرسة تنظم حملات التبرع بالملابس الزائدة تحت عنوان (معونة الشتاء) لتعزيز علاقات التكافل الاجتماعي".