صحيفة الاستقلال

شخصيات

عصام العطار.. أول الإخوان المسلمين المنفيين من سوريا وآخر المؤسسين

05/06/2020 | شخصيات
عصام العطار.. أول الإخوان المسلمين المنفيين من سوريا وآخر المؤسسين
اختير عصام العطار مراقبا للإخوان في سوريا خلال وجوده في منفاه
حجم الخط طباعة

لا تتوقف الشائعات التي تتردد حينا بعد آخر عن وفاة القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عصام العطار الذي يقيم حاليا في ألمانيا منذ أكثر من خمسين عاما.

مطلع يونيو/حزيران 2020، تداولت عدد من المواقع الإلكترونية خبر وفاة العطار، قبل أن تنفي مواقع أخرى ذلك، وتنشر مقطع فيديو حديث على صفحته في "فيسبوك" يؤكد عدم صحة تلك الشائعات.

ولعل تقدم الرجل في السن، الذي ناهز على التسعين عاما، كان أحد أسباب تصديق تلك الشائعات وتناقلها في كل مرة.

من هو العطار؟

هو عصام رضا العطار، ولد في العام 1927 (93 عاما) في دمشق القديمة، لأسرة عريقة لها مكانة اجتماعية متميزة، حيث كان والده من رجال القضاء الشرعي المشهود لهم بالعلم والفضل والسمعة الطيبة، وكان رئيسا لمحكمة الجنايات في يوم من الأيام. 

كانت أسرة العطار تعمل ببيع العطر، وكان والده رضا من محبي ومناصري السلطان عبد الحميد، وقد شارك في محاربة الاتحاديين، وحكم عليه بالإعدام، فهرب وعاش سنوات بين القبائل العربية في جبل الدروز.

درس العطار سنوات تعليمه الأولى في دمشق، في مدرسة التجهيز قرب المنشية، وتعلم في مطلع شبابه الدين والتاريخ والأدب والفلسفة في المعهد العربي وبعض المعاهد والمدارس الخاصة في دمشق، الأمر الذي كان له أُثر في ثرائه المعرفي واللغوي.

ومنذ صغره قرأ العطار لكبار الأدباء مثل: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، وكان شديد الارتباط بالقرآن والعلوم الشرعية. 

وعصام العطار هو شقيق نجاح التي كانت تشغل منصب نائب الرئيس السوري للشؤون الثقافية منذ عام 2006، وشغلت قبلها منصب وزير الثقافة عام 1976.

رحلته مع الإخوان

كانت أول صلة له بالإخوان عام 1945، حيث بدأ بالتعرف على جمعية شباب محمد، التي كانت نواة جماعة الإخوان قبل تأسيسها فيما بعد، وعقب ذلك بنحو عام تعرف على الدكتور مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان في سوريا، وشارك معه في تأسيس التنظيم.

كان للعطار شخصية مميزة ضمن الجماعة، وآراء حكم عليها البعض بأنها صائبة، فقد رأى في إحدى مراته وجوب عدم تورط جماعة الإخوان المسلمين بالمشاركة في انتخابات 1957 البرلمانية، لتقديره أن هناك تحركات لإفشالهم والحيلولة دون نجاحهم.

غير أن الجماعة قررت المضي والمشاركة بتلك الانتخابات، وخاض المراقب العام للإخوان المسلمين مصطفى السباعي حينها، تلك الانتخابات التي منيت فيها بخسارة كبيرة، وتلقت ضربة كانت هي الأقوى حينها، نتيجة التلاعب والتزوير بنتائج تلك الانتخابات.

في عام 1964، وفي عودته من رحلة الحج، جرى رفض دخوله سوريا، وذلك لتأثيره في الحياة السياسية السورية، وابتدأت رحلته في المنفى، فسافر إلى لبنان، ثم إلى بروكسل، غير أنه أصيب بالشلل عام 1968، وانتقل بعد ذلك إلى ألمانيا، واستقر في مدينة آخن الألمانية كلاجئ سياسي. 

عقب وفاة الدكتور السباعي في عام 1964، اختير عصام العطار مراقبا للإخوان في سوريا خلال وجوده في منفاه. ومع أن العطار حاول الاعتذار للمشكلة الصحية التي كان يمر بها، إلا أنه وافق أخيرا، وبقي مراقبا للإخوان حتى عام 1973.

مغادرة الحركة

استمر العطار مراقبا للجماعة نحو تسع سنوات، وبعد تصاعد الخلافات في جماعة الإخوان في السبعينيات، قرر العطار التخلي عن القيادة، ثم ترك الجماعة، غير أنه استمر في دوره الدعوي.

يقول عصام العطار عن نفسه: "عندما بدأت الخلافات بين قادة الجماعة، فضلا عن مرضي حيث أصبت بالشلل عندما كنت في بروكسل عام 1968، قررت أن أترك قيادة الجماعة وتحت الضغط عدلت عن قراري مرات عديدة". 

يضيف العطار: "عمليا في نهاية السبعينيات، ابتعدت عن العمل في الجماعة، لكن عندما صدر القرار 49 القاضي بإعدام المنتمين للإخوان خرجت وعرفت بنفسي أني المراقب العام للجماعة".

وكانت حركة الإخوان المسلمين قد جرى حظرها في سوريا، بموجب المادة رقم 49 الصادرة عام 1980، التي قضت بالحكم بالإعدام على كل من ينتمي للتنظيم، بغض النظر عن الأفعال التي ارتكبها.

ووفق مصادر أخرى، فإن أجنحة من جماعة الإخوان شككت في أهليته لقيادة الجماعة، ودبت الخلافات حول ذلك التي بلغت ذروتها عام 1973 لتتخذ الجماعة قرارا بعزل العطار وتعيين الشيخ عبد الفتاح أبو غدة مراقبا عاما للإخوان.

مناهض الانقلابات

كانت سوريا قد شهدت منذ نهاية الأربعينيات وحتى مطلع السبعينيات عدة انقلابات، قبل انقلاب حزب البعث الأخير عام 1970، وكان للعطار مواقف واضحة وجريئة من الانقلابات، وبالقدر الذي رفض الاعتراف بها، رفض أيضا المشاركة في تعييناتها السياسية.

وكان العطار قد رفض المشاركة في حكومة معروف الدواليبي التي أتت عقب انقلاب 1961، قائلا: "لا يمكنني القبول بالمشاركة في حياة تقول إنها ديمقراطية ولكنها جاءت بانقلاب عسكري، وهذه الانتخابات لن تعيش طويلا حتى يتم الانقلاب عليها من جديد".

وبالفعل لم تمض أشهر حتى وقع انقلاب جديد أطاح بالرئيس ناظم القدسي، وجرى اختيار 13 شخصية لاستلام الحكم وكان من بينها عصام العطار الذي أعلن من على منبر مسجد الجامعة رفضه للانقلاب وللمشاركة في لجنة استلام الحكم وطالب بإعادة رئيس الجمهورية المنقلب عليه مع تهديد بإجراءات شعبية مناهضة للانقلاب.

فما كان من سلطة الانقلاب إلا الرضوخ والإفراج عن الرئيس ناظم القدسي وإعادته إلى رئاسة الجمهورية.

العطار والوحدة العربية

كان العطار من أشد المؤيدين للوحدة العربية بين سوريا ومصر، وكان موقفه هذا منسجما مع موقف المراقب العام لتنظيم الإخوان المسلمين مصطفى السباعي، الذي وافق على حل التنظيم، استجابة لشرط الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر تحقيق الوحدة بين البلدين.

 وكان العطار قد أشار إلى أن بشير العظمة بأفكاره وانتمائه الشيوعي يشكل تهديدا على تلك الوحدة، وحذر من توليه رئاسة الوزراء.

وبالفعل حصل ما حذر منه العطار، فقد رعى العظمة وثيقة وقع عليها القوميون والشيوعيون والاشتراكيون الذين أيدوا عبد الناصر، أعلنوا فيها الانفصال عن الوحدة مع مصر.

وتبنى العطار موقفا رافضا من هذه الوثيقة، برغم الانتقادات الحادة التي وجهها لعبد الناصر، بسبب ممارساته القمعية ضد المعتقلين.

وكان العطار يجيب عندما يسأل عن سبب رفضه التوقيع على وثيقة الانفصال: "كيف تريدونني أن أبارك حركة هدمت حلما يسكن أبناء الأمة منذ قرون، إن خلافنا مع نظام الوحدة شيء، وتمسكنا بالوحدة شيء آخر" وكانت عبارته التي يرددها على منبر مسجد الجامعة: "إن الوحدة أكبر من أخطائها".

ومع موقفه ذلك إلا أنه برز إبان الحملات التي كان ينفذها عبد الناصر ضد المنتمين للحركة في مصر، وخاطب الآلاف من طلاب جامعة دمشق مستنكرا القمع والوحشية التي يمارسها عبد الناصر ضد المعتقلين، وقال: إن تلك الانتهاكات والدكتاتورية التي يمارسها تتعارض مع الحديث عن قيم الوحدة التي دعا إليها.

محاولات اغتيال

تعرض لمحاولة الاغتيال عدة مرات، في سوريا وفي منفاه بألمانيا، نجا منها جميعا، غير أن زوجته بنان، ابنة الشيخ علي طنطاوي، وأم هادية وأيمن، لم تنج، فقد أمطرتها عناصر مسلحة مجهولة بوابل من الرصاص في منزلها بألمانيا بتاريخ 17/03/1981، عقب فشلهم في اغتيال عصام العطار، وقد رثاها الأخيرة في مرثية طويلة حديثا، قال في بعض منها: 

"ثمانية وعشرون عاما مضت على غياب هذا الكوكبِ الذي أضاء حياتي وحياة أسرتي في أحلك ليالي الغربة والتشرد والخطر والمرض، وأضاء لمن كان حولنا حيثما سرينا في الأرض.. ثمانية وعشرون عاما مضت على فراق زوجتي وحبيبتي وصديقتي ورفيقة دربي، وسندي وعوني حيث لا سند ولا معين إلا الله" .

 أنشطة المنفى

في منفاه بألمانيا، انصرف العطار نحو الفكر والثقافة، وكان له مناشط فكرية وثقافية، وقد أسهم بتأسيس المنتدى الإسلامي الأوروبي للتربية والثقافة والتواصل الإنساني والحضاري.

وكان على تواصل مع رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، حيث تشارك معه مناقشات حول رعاية الإسلام في أوروبا ورعاية مشاريع إسلامية في القارة العجوز.

غير أن تحركاته لم تدم كثيرا، فقد قيدت السلطات الألمانية حرياته السياسية عام 1981، وفرضت عليه كلاجئ سياسي، تجميد نشاطه السياسي.

وبالرغم من ذلك، وجه العطار خطابات للناشطين السوريين، إبان الثورة السورية، ناصحا وموجها ومؤيدا لهم، وفي نفس الوقت رافضا الانخراط في أي تشكيلات سياسية ثورية.

بحسب الموسوعة الرقمية للإخوان المسلمين، انتهج العطار لنفسه في السنوات الأخيرة منهجا إسلاميا عاما لخدمة جميع المسلمين، ولم يكن اختلافه مع الإخوان إلا اجتهادات شخصية، آثر أن يكون عمله وجهده للأمة جمعاء، واتسمت علاقته بالإخوان بالود والمحبة فهم كما يقول إخوانه وأبناؤه، بل هم لحمه ودمه.

جدل كبير

كان العطار قد أثار جدلا في أكتوبر/تشرين الأول 2018 عندما كتب على صفحته في فيسبوك منشورا يدعو فيه بشفاء أسماء الأسد، زوجة بشار، من مرض السرطان.


وفي الوقت الذي اعتبر البعض ذلك الموقف سموا على الجراح وموقفا عابرا للخلافات، اعتبر آخرون ذلك مثالية ورومانسية مفرطة، وموقفا غير موفق، تجاه أسرة، أسهمت بكاملها بقتل وتشريد الشعب السوري.

كتب العطار مئات المقالات، وألف العديد من الكتب، منها: آراء ومواقف، في قضية فلسطين، رحيل (شعر)، ثورة الحق (شعر)، يجب أن يبدأ في أنفسنا التحول، رسالة إلى الإخوة المؤمنين، أزمة روحية، منطلقات وأهداف، من بقايا الأيام، كلمات، التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم.